يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

اهداءات ساحات وادي العلي







العودة   ساحات وادي العلي > ساحة الثقافة الإسلامية > الساحة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 12-15-2012, 10:41 AM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية العضو

مزاجي:










ابوحاتم غير متواجد حالياً

آخـر مواضيعي


ذكر

التوقيت

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

الشائعات وأثرها السيئ على الأمة
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة 16lpvl 1434iJ بعنوان: "الشائعات وأثرها السيئ على الأمة"، والتي تحدَّث فيها عن الشائعات وما تُسبِّبُه من آثارٍ سيئة وعواقِبَ وخيمةٍ في عضُد الأمة الإسلامية، مُتمثِّلةٍ في مقالاتٍ وتغريداتٍ، في مواقع وشبكاتٍ ومُنتدياتٍ، ومُراسلاتٍ بين فِتيانٍ وفَتياتٍ، وحذَّرَ من نقلِ الأخبار دون توثُّقٍ من مصدرِها ومدى نفعِها أو ضررِها، ونبَّه على خطورة المِساس بأصول الدين وثوابته عبرَ هذه التِّقنيَّات.

الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله ذي العزِّ القاهِر، والسلطان الظاهر، سبحانه عزَّ مجدُه، وعلا سلطانُه، علِمَ فستَر، وقدَّر فغفَر، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه، أسبغَ النعمة، وأجزلَ المنَّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تقودُ إلى رِضوانه والجنَّة، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أفضلُ خلق الله وأهداهم إليه سبيلاً، وأدلُّهم عليه طريقًا، صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله السادة الأبرار، وأصحابه الميامين الأخيار، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقَبَ الليلُ والنهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فالكيِّسُ من دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ من أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأماني.
في مُرور الأعوام تصرُّم الأعمار، فما أسرعَ انقِضاء الليالي والأيام، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93]. جعلَنا الله وإياكم ممن طالَ عُمرُه، وحسُنَ عملُه، وغُفِر ذنبُه، وثقُلَ ميزانُه.
أيها المسلمون:
وإن من أعظم ما يستوقِفُ الناظِر، ويبعثُ على المُحاسَبة الجادَّة: قولُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث الصحيح: «كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع»؛ رواه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. إنها المُحاسبةُ الجادَّة، والفحصُ الدقيق.
معاشر المسلمين:
للكلمة أثرُها، وللصورة مفعولُها في أي وسيلةٍ، في خُطبةٍ أو مقالةٍ، أو مُحاضرةٍ أو تغريدةٍ، من خطيبٍ أو مُتحدِّث، أو كاتبٍ أو داعيةٍ، أو مُعلِّقٍ أو مُتابِعٍ، وفي أي وسيلةٍ من وسائل الإعلام والتواصُل.
وفي هذا الزمن بتِقنِيَّاته واتصالاته، وتدويناته وتغريداته، ومواقعه وشبكاته، وإعلامه وقنواته، ومواقعه وتدويناته وسيلتُها كلُّها: الكلمةُ والصورةُ؛ فويلٌ للمُتهاوِنين من المُغرِّدين والمُتابِعين!
كم هي العواقِبُ التي تُكلِّفُ الكثيرَ والكثيرَ من الأنفُس والأموال والجهود؟!
معاشر الأحِبَّة:
إن تهاوُن الناس - ولا سيَّما الفِتيان والفَتيات - مما ينعتُونَه بالثَّرثَرة الجماعيَّة من خلال المجامِيع التي يُنظِّمُونها أو ينتظِمون فيها في هواتِفهم وأجهزتهم؛ بل يتسارَعون لإحراز قصَب السَّبْق في نشر المعلومات أو تلقِّيها، بقطع النَّظر عن صحَّتِها أو دقَّتِها أو خطرِها، بل الخطرُ فيما تؤولُ إليها من نتائج خطيرة على الدين والعقيدة، وعلى البلاد وأهلها، وعلى الأمن والاستِقرار،مما ينشرُ الإرباك والاضطِراب، بل اخوفَ والإرهابَ.
ويزدادُ الخطرُ والخوفُ وسوءُ العواقِب حين لا تُعرفُ مصادرُ هذه الأخبار والإشاعات، ولا أغراض نشرِها وأهدافِهم، فلا مِصداقيَّةَ ولا موثوقيَّة، «كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع».

هذه الوسائلُ والمواقعُ وسطٌ خصبٌ، وبيئةٌ للإشاعات والأخبار المُختلفة والمُختلَقَة والآراء والرُّؤَى غير المسؤولة، ناهِيكم بأنَّ كثيرًا ممن يشتغِلُ بنقلِ هذه الكلِمات والصُّور والأخبار الخطيرة هم الفارِغون البطَّالون الذين ليس لديهم ما يشغَلون به أوقاتَهم من الخير والنفع لهم ولدينهم وأمتهم وأوطانهم.
ويعلمُ المُتابِعُ العاقلُ - فضلاً عن المُتخصِّص - أنهم لا في العِير ولا في النَّفير، الواحدُ منهم مُتَّكِئٌ على أريكته، ومُلازِمٌ للوحته، وعاكِفٌ على جِهازه، يُلقِي الكلامَ على عواهِنه هنا وهناك.
كم كلمةٍ أو تغريدةٍ قالت لصاحبِها: دعني! وكم تدوينةٍ تهوي بقائلِها في نار جهنَّم أبعدَ ما بين المشرق والمغرب!
كلماتٌ تخرجُ كالسِّهام من أفواه البنادِق يقتلُ بها نفسَه، ويُهلِكُ أهلَه، ويُفسِدُ بلدَه، ويُجرِّئُ الأعداءَ، ويُمكِّنُ للخُصوم، ويبذُرُ بُذورَ الفُرقة، وينفَخُ في أبواق الفتنة. زاحمَ البَنانُ عنده اللسان ليُوغِلَ في التعقيبِ والتصنيفِ، والهدمِ والإفساد.
في كلماتٍ وصورٍ ومقاطع تستهزِئُ وتسخرُ من مُكوِّنات مُجتمعه، وكأنَّه قد تطوَّعَ يُسوِّدَ صُورتَه أمام الآخرين، ويُوثِّقَها صوتًا وصورةً، وكأنه مأجورٌ ليُدمِّرَ نفسَه، ويهدِمَ بيتَه، ويتنكَّرَ لهويَّته.
إذا سمِعَ خبرًا طارَ به كلَّ مطارٍ، ينشُرُه ويبُثُّه يُفاخِرُ بأنه حازَ السَّبْقَ في نشره، والكلمةُ تبلغُ الآفاق مُتخطِّيةً حواجِز الزمان والمكان في أجزاء من الثواني بلمسة بَنان أو غمزة أزرار. بل حقُّه أن يُحاسِبَ نفسَه قبل أن يُطلِقَ لسانَه، أو يغمِزَ بنانَه، أو يخُطَّ مقالَه، أو يُغرِّدَ تغريدتَه.
أين الحقيقة؟ وأين المصلحة؟ وأين الديانة؟ وأين الأمانة؟
يا تُرى هل هؤلاء يُسِّعون الآفاق أو يحفُرون الأنفاق؟! هل هم يَبنُون أو يهدِمون؟! هل هم يجمَعون أو يُفرِّقون؟! هل يزرَعون الأمل أو ؤيقودون لليأس؟! هل يرفعون من مقام أهلِهم وأوطانهم أو يُحقِّرون الذّوات ويسحَقون النفوسَ؟!
إنما يُفسِدُه هؤلاء المساكينُ الأغرار في لحظاتٍ قد لا يُمكنُ علاجُه في سنواتٍ، وقد يُكلِّفُ أموالاً ونفوسًا، وقد يستعصِي على العلاج. فلا حول ولا قوة إلا بالله!
معاشر المسلمين:
«كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع»، «ولا يزالُ الرجلُ يصدُقُ ويتحرَّى الصدقَ حتى يُكتبَ عند الله صدِّيقًا، ولا يزالُ الرجلُ يكذِبُ ويتحرَّى الكذِب حتى يُكتبَ عند الله كذَّابًا».
وقد أخبَرَنا نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - كما في الحديث الصحيح فيما رآه من أحوال الآخرة أنه: «يرَى الرجلَ يكذِبُ الكِذبَة فتبلغُ الآفاق، فيُنشرُ شِدقُه ومِنخَرُه وعينُه إلى قَفاه». فما أشدَّه من عذابٍ، وما أطولَه من زمانٍ!!
معاشِرَ الأحبَّة:
هذه قضيةٌ، وثمَّة قضيَّةٌ أخرى مُرتبطةٌ بها، وهي أكبرُ وأخطرُ؛ بل قد تكونُ أثرًا من آثارها، أو هدفًا من أهدافها، إنها: أمنُ المعلومات؛ بل الأمنُ على الدين وثوابتِه وأصُوله، والأمنُ على الأوطان ووحدتها وتماسُكها.
هذه التِّقنيَّاتُ والآلاتُ والوسائطُ والمواقعُ جعلَت المسؤوليَّةَ أعظمَ، وجعلَت مفهوم الحرية أدقَّ، فالحرُّ هو المُسيطرُ على نفسه، الضابطُ لها بضوابط العقل والدين والعلم. الحريةُ هي التخلُّص من قيود الشهوات، وسجون الرَّغَبات. الحرُّ هو المسؤولُ الذي يُفكِّرُ بانضِباطٍ لا بانفِلاتٍ.
إن هذه التِّقنيَّات فضَحَت بعضَ الذين يودُّون التفلُّتَ من عيون الرَّقيب، ناهِيكم برقيبِ الدين والضمير والأخلاق والمبادِئ.
الإيمانُ دينٌ صحيحٌ، والمُواطَنةُ عقلٌ راشِدٌ، والمسؤوليَّةُ أمانةٌ وثباتٌ وسعيٌ في المصالحِ العُليا والدُّنيا، وسيرٌ في دُروبِ الخير والرشاد، والحثّ عليها.
أيها العُقلاء:
الهدمُ سهلٌ، والانحِدارُ إلى الهاوِية لا يُكلِّفُ - عياذًا بالله -، تأمَّلُوا في بعضِ جيرانِنا الذي يُصبِحون على العبوَّات الناسِفة، ويُمسُون على قذائِف مُدمِّرة تستهدِفُ المنازِلَ والمتاجِرَ والمعابِدَ والمكاتِبَ والطوائِف.
إن المُراقِبَ لبعض القُوى الإقليمية والدولية الذين يُحاوِلون أن يُذكُوا الصراعات الطائِفيَّة القَبَلِيَّة والمذهبيَّة والمناطِقيَّة في منطقتنا يُحاوِلون أن يُذكُوا الصراع، ثم يُوظِّفُوه ليُقطِّعوا الدولَ، ويُبعثِروا الشُّعوبَ، ويُشرِّدوا الناسَ، ليتوزَّعوا الغنائِمَ، ولا يُهِمُّهم البَتَّة ولا يكترِثون لمصالح شعوب المنطقة وأهلِها أماتُوا جوعًا، أو تفرَّقُوا شِيَعًا، أو تناثَرُوا طوائِفَ، أو تقطَّعُوا أحزابًا؟
والسعيدُ الحكيمُ من وُعِظَ بغيره.
معاشر الإخوة والأحِبَّة:
نحن في هذه البلاد الطاهرة لقد تركَ لنا الآباءُ والأجدادُ وطنًا مُوحَّدًا وآمِنًا، بلدًا كريمًا عريضًا واسعًا مُترامِيَ الأطراف، عليه وُلاةُ أمرٍ جادُّون حازِمون في المُحافَظة على هذه الوحدة وعلى هذه الأمة تحت راية: (لا إله إلا الله، محمدٌ رسولُ الله) وخدمة الحرمين الشريفين ورعايتهما.
فيجبُ أتن تُقدَّر هذه النعمةُ الكُبرى، وأن يُحافَظَ عليها وتُورَّثَ للأبناء ثم الأجيال من بعدِهم - بإذن الله - لينعَموا بما ننعَمُ به من أمنٍ وإيمانٍ وخيرٍ وفضلٍ.
الحَذَرَ ثم الحَذَرَ من خُطباء الفتنةِ والتحريضِ، دُعاة تمزيق الأوطان، والعبَث بوحدتها، السُّعاة إلى تأجيج الفتنة وإثارة الفُرقة، في تُهمٍ باطلةٍ، وطعونٍ ظالمةٍ، وناصيةٍ كاذِبةٍ خاطِئةٍ، يصِفون أوطانَهم وأهلِيهم ورجالَهم بأقبَح الأوصافِ، في أسلوبٍ فجٍّ، وسوءٍ من القولِ.
يقومُ قائمٌ مأفونٌ هو الأغشُّ للأمة والأئمة، والأشدُّ على جماعة المسلمين ليهدِم الشوكة، ويُضعِف القوة، ويخدِم الأعداء، يزعُمُ أنه يُطالِبُ بحقوقٍ، ولن يكون نَيلُ الحقوق بفُحش القول، والتحريض، وامتِطاء مطيَّة العُنصريَّة والطائفيَّة، والاستِقواء بالسمَّاعين والدول الأجنبيَّة وأعداء الأمة، يُثيرُ الفتن، ويجرُّ الأغراب، ويتقوَّى بالخارجِ، وهذه خيانةٌ ظاهرةٌ، وتفريطٌ بالبلاد ومُقدَّراتها وأهلِها، ومثلُ هذا لا بُدَّ من الحَزم معه وأطرِه على الحقِّ وإلزامِه جادَّة الصواب، وحفظِ أمن البلاد والعباد، ووحدة الصفِّ والكلمة.
أيها المسلمون:
إن من مسؤولية الدولة وواجبِها أن تضرِبَ بيدٍ من حديدٍ على كل من يقتربُ من هذه الثوابِت ليهُزَّها أو ينالَ منها، إنه عبثٌ غيرُ مسؤولٍ ينالُ من الدين والوطن. الدولة مسؤولةٌ عن أمن الناس وحمايتهم وصيانة حقوقِهم ومُمتلكاتهم، وتنظيم شؤونهم في أسواقهم وبيوتهم ومرافِقهم.
الدولةُ بأجهزتها القضائيَّة والتنظيميَّة والتنفيذيَّة مسؤولةٌ عن أمن الناس واستِقرارهم، وتحقيق العيش الكريم لهم، مسؤولةٌ عن تحقيق العدل وتهيِئةٍ أسباب الحياة الطيِّبة.
وبعد، عباد الله:
فالحقوقُ مُتكافِئة، والحياةُ مُنظَّمة، والمصالِحُ مُعتبَرة، ولا يتحقَّقُ ذلك إلا في وطنٍ قويٍّ هادئٍ، مُستقرٍّ آمنٍ، تحكمُها دولةٌ قويةٌ مُهيمِنةٌ بقضائِها وأجهزتها وعدالتها.
وليحذَر المُسلمُ أن يكون مطيَّةً للإفساد وبثِّ روح الفُرقة، والخذلان لدينه، والخيانة لوطنه ولسائر أهله.
الحَذَر ثم الحَذَر أن يكون الإنسان من حيث يشعُر أو لا يشعُر وقودًا أو حطَبًا لمثلِ هذه الدعوات الفئويَّة الضيِّقة التي لا تأخُذُ حسابًا لأهلها وبلدِها وأمنِها وسلامتها، والضررُ سيلحقُ بالجميع، والنارُ ستُحرِقُ الجميع، ومن يتقاعسُ عن التصدِّي لهؤلاء الشُّذَّاذ والمُرجِفين والمُتطرِّفين، أو يُحاوِلُ إيجادَ أعذارٍ أو مُسوِّغاتٍ أو ينقُدهم بضعفٍ أو استِحياءٍ فهو شريكٌ في إضعاف الوطن وهزِّ كِيانه.
ووحدةُ الأوطان وسلامتُها والحفاظُ على دينها وأمنِها لا يجوزُ المِساسُ به أو العبَثُ به، بأي حالٍ وتحت أي مُسوِّغ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال: 25، 26].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله، أنارَ بالإيمان قلوبَ أهل السعادة، فأقبَلَت على طاعة ربِّها مُنقادَة، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه وعَدَ على الشُّكر بزيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعظِم بها من شهادةٍ، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المخصوصُ بالاصطِفاء والاجتِباء والسيادة، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه صدَقوا في الإيمان وأحسَنوا العبادة، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما بقِيَت أعلامُ الدين مرفوعة وراياتُه مُشادَة، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد، فيا أيها المسلمون:
المُطالبةُ بالحقوق حقٌّ، وبابُ التناصُح مشروعٌ ومُشرَعٌ، وللناس حقوقُهم ومطالِبُهم، والنقصُ يجبُ أن يُسدَّد، والمطالِبُ تُرفَعُ وتُسمَعُ، ومسالِكُ النقد والمُطالبة بالإصلاح حقوقٌ مشروعةٌ إذا سُلِك بها المسالِكُ الصحيحةُ.
حقُّ النقد والتعبي والرأي كلُّ ذلك مشروعٌ مكفولٌ، ويجبُ أن يكون مبذولاً ومُتاحًا ما دام مُلتزِمًا بالثوابت من المُحافَظة على الدين بأُصوله، والوطن بوحدته، والأمة بمُكوناتها.
من المقبول أن يقسُو الناقِدُ والمُصلِحُ بعضَ القسوة في ألفاظه وعرضِه، ولكن لا يُمكنُ أن يُقبَل الاستِقواء بالأغراب، واستِعداء الأعداء، وامتِطاء مطيَّة الكذِب والتلبيس والتدليس.
إن في أوطاننا وبُلداننا كُتَّابًا وخُطباء ونُقَّادًا يكتُبون وينتقِدون بجُرأةٍ وقوَّةٍ وعقلٍ ويُطالِبون، لكنَّهم لا يتجاوَزون ثوابِتَ دينهم ومصالشحَ بُلدانهم، ولاؤُهم لأهلهم لا يُساوِمون، ولا يُدارُون، والقُصورُ وارِدٌ، والكمالُ عزيزٌ، والاجتِهاداتُ تُخطئُ وتُصيبُ.
يجبُ أن يكون الفرقُ واضِحًا بين حرية التعبير وحرية الرأي، وبين التحريض والتحريش ودقِّ معاوِل الهَدم والتفريق. فرقٌ بين النقد البنَّاء والدعوة للإصلاح، وبين زرع بُذور الفتن الطائفيَّة والقَبَليَّة والمناطقيَّة.
أصحابُ الحقوق والمطالِب المشروعة حقٌّ أن يُسمَع لهم، وأن تُستنهَضَ كلُّ المُؤسَّسات المُتخصِّصة الرسمية وغير الرسمية ليُستمَع إليهم، ويُنظَر في مطالبِهم، فما ثبَتَ من حقٍّ فيجبُ المُسارعةُ إلى تحقيقه حسبَ إمكانات الزمانِ والمكان والقُدرات، وما كان غير ذلك فيكونُ الردُّ بالحُسنى، وتقدير حقِّ المُطالبة.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فالسعيدُ من وُعِظ بغيره، والحكيمُ من نظرَ في العواقِب.
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله، وهو الصادقُ في قِيلِه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك.
وإننا نحمدُك اللهم على ما مننتَ به عليه من الشفاء والعافية، فهو وليُّ أمرنا، وراعِي أمَّتنا، والدُنا خادمُ الحرمين الشريفين الملكُ الصالحُ، المؤمنُ بربِّه، الواثِقُ بفضلِه وبرِّه وإحسانه، فنسألُ الله أن يُتِمَّ عليه نعمةَ الصحةِ والعافيةِ، وأن يمدَّ في عُمره، ويُبارِكَ في عمله، وأن يحفظَ بلادَنا في أمنِها وإيمانها، وأن يرزُقنا الثباتَ على التقوى في ظلِّ هذه القيادة المُبارَكة.
لقد أتمَّ الله علينا نعمةَ الفرح والسرور، وبُشرى الصحة والبَهجة، فرحةٌ وبهجةٌ تغمُرُ كلَّ المُحبِّين، نابِعةً - بعد فضل الله ومنَّته - من مواقِف قائدِنا الثابتةِ الصادقةِ، وأيادِيه البيضاء، وصفاء قلبِه، وشفافية مسلكِه. ذلكم هو جسرُ العلاقة بينَه وبين أبناء شعبِه وأمَّته، فالحقائقُ والشفافيَةُ والعقلُ والاتِّزانُ هي النهجُ الذي ينتهِجُه ويُوجِّهُ إليه - حفظه الله -.
فلا عجبَ أن يتبوَّأ مكانة أكثر الشخصيات الإسلامية تأثيرًا في سنواتٍ مُتتالياتٍ.
فالحمدُ لله على فضلِه ونعمائِه، ولا عزاءَ لأسرَى الشائعات، ولا نامَت أعيُن المُتقوِّلين.
اللهم أدِم عليه نعمةَ الصحة والعافية، ووفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم احفظ إخواننا في سوريا، وفي بورما، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم عليك اللهم بالطغاة الظلمة في سوريا وفي بورما، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في الطغيان، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، الله فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم يا قوي يا عزيز.
سبحان ربك رب العِزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-15-2012, 10:47 AM   رقم المشاركة : 2

 

وقفةٌ مع معنى البركة

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله - خطبة الجمعة 23 lpvl 1434iJ بعنوان: "وقفةٌ مع معنى البركة"، والتي تحدَّث فيها عن البركة ومعناها، وذكرَ بعضَ الآيات والأخبار والآثار التي وردَ فيها فضلُها وعِظَمُ أثرها ونفعِها، وبيَّن أن الذنوبَ والمعاصِي سببُ محقِها وذهابِها.

الخطبة الأولى

الحمد لله، تباركَ في ذاته وباركَ من شاءَ من خلقه، الحمدُ لله العليِّ الأكرم، لا يُوفِي قدرَه بشرٌ ولا يقومُ بحقِّه، ولا ينفكُّ مخلوقٌ من رِقِّه، ولا يستغنِي بشرٌ عن جُودِه ورِزقِه، هو الأولُ في هذا الوجود وله وحده القيامُ والسُّجود، وجودُه - سبحانه - لا يُشبِهُه وجود، وجُودُه - سبحانه - لا يُشبِهُه جُود، وبطشُه يبغَتُ المُعرِضين وهم في صحوِهم أو هم هُجود، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه، وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله؛ فهي العُدَّةُ في الشدائد، والعونُ في المُلِمَّات، وهي أُنسُ الروح والطُّمأنينة، ومُتنزَّلُ الصبر والسَّكينة، ومبعثُ القوةِ واليقينِ، ومِعراجُ السموِّ إلى السماء،وهي التي تُثبِّتُ الأقدامَ عند المزالِق، وتربِطُ على القلوبِ عند الفتن، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].


أيها المسلمون:
في تحايانا وفي دعواتنا عباراتٌ تستحقُّ التأمُّلَ، كلماتٌ نُردِّدُها كل يومٍ بيننا، وفي صلواتنا، قد جمَعت خيرَي الدنيا والآخرة، وسعادةَ الحال والمآل، إنها الدعاءُ بالبركة.
يلقَى المُسلمُ أخاه فيقول له: السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاته؛ فهل تأمَّلنا معنى الدعاء بالبركة؟
وفي صلاتنا ندعُو: «وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ كما باركتَ على إبراهيم»، وفي دُعاء قيام الليل: «وبارِك لي فيما أعطيتَ»، ونقول للزوجَين: «باركَ الله لكما، وباركَ عليكما».
فما حقيقةُ هذه البركات؟
عباد الله:
أصلُ البركة: الثُّبوتُ والدوامُ والاستِقرارُ، والبركةُ: النَّماءُ والزيادةُ وكثرةُ الخير. يُقال: باركَه الله وباركَ فيه وباركَ عليه وباركَ له، والمُبارَك: الذي قد باركَه الله تعالى، قال - سبحانه -: وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ [الأنبياء: 50]، وذلك لكثرة خيرِه ونفعِه ووجوه البركةِ فيه.
البركةُ كلُّها من الله؛ فإن الربَّ تعالى هو الذي تباركَ وحدَه، وكلُّ ما نُسِبَ إليه مُبارَكٌ، فكلامُه مُبارَك، ورسولُه مُبارَك، وعبدُه المُؤمنُ النافعُ لخلقه مُبارك، وبيتُه الحرام مُبارَك، وكِنانتُه من أرضه - وهي الشام - أرضُ البركة، وصفَها بالبركة في آياتٍ من كتابه، وباركَ المسجدَ الأقصى وما حولَه.
والله تعالى يُقال في حقِّه: تبارك؛ أي: تعالى وارتفع وتقدَّس وتمجَّد، ولا يُقال: تبارك في حقِّ أحدٍ غير الله تعالى، تباركَ في ذاته، وباركَ من شاءَ من خلقه، كما يُقال: تعاظمَ وتعالى، فهو دليلٌ على عظمته وكثرة خيره ودوامِه واجتِماع صفات الكمال فيه، وأن كلَّ نفعٍ في العالَم فمن نفعِه - سبحانه - ومن إحسانه، فهو ذو العظمة والجلال وعلوِّ الشان.
ولهذا إنما يذكُره غالبًا مُفتتِحًا به كلامَه وعظمتَه وكبرياءَه، قال تعالى: تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا [الفرقان: 1]، وقال - سبحانه -: إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ [الأعراف: 54].
أيها المسلمون:
وقد يجعلُ اللهُ بعضَ خلقه مُبارَكًا، فيكثُر خيرُه، ويعظُم أثرُه، وتتصِلُ أسبابُ الخير فيه، وينتفعُ الناسُ منه، كما قال المسيحُ عيسى - عليه السلام -: وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ [مريم: 31].
البركةُ فضلُ الله يأتي للإنسان من حيث لا يُحِسُّ ولا يحتسِب، فكلُّ أمرٍ تُشاهَدُ فيه زيادةٌ غير محسوسة يُقال: مُباركٌ، وفيه بركةٌ.
البركةُ هِبةٌ من الله فوق الأسباب الماديَّة التي يتعاطاها البشرُ، وإذا باركَ الله في العُمر أطالَه على طاعته أو جمع فيه الخيرَ الكثيرَ، وإذا باركَ الله الصحةَ حفِظَها لصاحبِها، وإذا باركَ في المال نمَّاه وكثَّرَه، وأصلحَه وثمَّره، ووفَّق صاحبَه لصرفه في أمور الخير وأبواب الطاعة، وإذا باركَ الله في الأولاد رزقَ بِرَّهم وهداهم وأصلَحَهم، وإذا باركَ الله في الزوجة أقرَّ بها عينَ زوجا؛ إن نظرَ إليها سرَّتْه، وإن غابَ عنها حفِظَتْه.
وإذا باركَ الله في العمل امتدَّ أثرُه، وعظُم نفعُه وبِرُّه، وما باركَ الله الأعمالَ بمثلِ الإخلاصِ لله ومُتابعة النبي - صلى الله عليه وسلم -.
قال ابن القيم - رحمه الله -: "وكلُّ شيءٍ لا يكونُ لله فبركتُه منزوعةٌ؛ فإن الله تعالى هو الذي تباركَ وحده، والبركةُ كلُّها منه".
وفي الأثر الإلهي: «يقول الربُّ - تبارك وتعالى -: إني إذا أُطِعتُ رضيتُ، وإذا رضيتُ باركتُ، وليس لبركتي نهاية»؛ أخرجه الإمام أحمد في "الزهد" بسندٍ صحيحٍ إلى وهب بن مُنبِّه.
وكم رأى الناسُ من بركة الله في الأشياء والأوقات، والأقوال والأعمال والأشخاص، فيكثُر القليلُ، ويعمُّ النفعُ، ويتَّصِلُ الخيرُ، وتتمُّ الكفايةُ، ويعلُو الرِّضا، وتطيبُ النفوس.
في سِيَر العُظماء عِبَرٌ من البركات، وقد كانوا بشرًا من الناس، ولكنَّ الله باركَ في أعمالهم وأعمارهم، وأشرفُ الخلق محمدٌ - صلى الله عليه وسلم - كا يومُه يومًا مُباركًا، وقد عمَّ نفعُه، وتوالَت بركتُه، ولا زالت تتْرَى إلى أن يرِثَ اللهُ الأرضَ ومن عليها، مع أن دعوتَه لم تتجاوَز ثلاثًا وعشرين عامًا.
وكانت خِلافةُ أبي بكرٍ - رضي الله عنه - سنتين وأشهُرًا، ومع ذلك حقَّقَ فيها ما يحتاجُ إلى عُقودٍ.
وفي العلمِ ترى من العُلماء عجبًا؛ فهذا الإمامُ الشافعيُّ - رحمه الله - تُوفِّي وهو في سنِّ الرابعةِ والخمسين، وهذا الطبريُّ والنوويُّ وابن تيمية وغيرهم تركُوا لنا إرثًا من العلم والتواليف والكتب ما تنقضِي دونَه الأعمار، ويعجزُ عنه الفِئامُ من الرجال، وليس ذلك إلا إعانةً من الله وبركةً جعلَها في أوقاتهم وفي آثارهم.
وأما البركةُ في حياة الناس؛ فقد كان يكفِيهم القليلُ رِزقُ كل يومٍ بيومِه، يُؤوِي البيتُ الواحدُ جمعًا من الأُسَر، وطعامُ الواحدِ يَكفِي الاثنين، تُظلِّلُهم القناعة، ويعلُوهم الرِّضا، وتُرفرِفُ عليهم السعادة.
فما بالُ الناس اليوم؟! ضاقَت أرزاقُهم أم ضاقَت نفوسُهم؟! قصُرَت أوقاتُهم أم قصُرَت هِمَمُهم؟!
لقد فُتِح على الناس من أسباب الرَّخاءِ ما لم يُفتَح على أحدٍ قبلَهم، وتفجَّرَت كنوزُ الأرض، وتوافَرَت الأموالُ والتجارات، وتعدَّدت طُرقُ الكسب تُذكِيها المُخترعات والمُكتشفات والصناعات؛ فهل ازدادَ الناسُ إلا فقرًا، وهل كسَبوا إلا شِقوةً وقهرًا؟!
غلَبَ على العالَم الشكوَى من الفقر، والقِلَّة، وضيقِ العيش، وشُحِّ الوقت، والخوف من المُستقبَل، مع توافُر كلِّ أسباب الرَّخاءِ؛ فأين الخلل؟! إنه محقُ البركة.
ومن نفيسِ الكلِم: "ليست البركةُ من الكثرة، ولكنَّ الكثرةَ من البركة".
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ليست السَّنةُ بألا تُمطَروا، ولكنَّ السنةَ أن تُمطَروا وتُمطَروا ثم لا يُبارَكُ لكم فيه»؛ رواه مسلم.
وفي كتاب ربِّنا: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف: 96].
الإيمانُ والتقوى والعملُ الصالحُ سببُ البركة والرِّزق، والطُّمأنينة والرِّضا، وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا [طه: 124].
نعم، الإعراضُ عن الله سببُ الشقاء الذي يشكُو منه الأفراد، كما تشكُو منه الأُمم.
ألا نتفكَّرُ في أسباب تضعضُع أكبر التجمُّعات الاقتِصاديَّة مع ما أقدرَهم الله عليه من العلم والتدبير؟! ألا نتفكَّرُ في غلَبَة الخوف وانعِدام الأمن في أقوى دول العالم وأشدِّها جبروتًا وبطشًا، وانتشار الحروب والقتل والاضطراب، مع ازدِحام القوانين والمُعاهَدات والمُنظَّمات.
إن الذي يُديرُ العالَمَ حقًّا هو الله - جلَّ في عُلاه -، ولا تسيرُ الأمورُ إلا وفقَ سُننه، ولا يحصُلُ الرخاءُ والسعدُ إلا وفقَ توجيهاته، وهو - سبحانه - القائلُ: يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ [البقرة: 276]، وهو - سبحانه - القائلُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [الأنعام: 82]، وهو - سبحانه - القائلُ: مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [النحل: 97].
الإيمانُ والتقوى والعملُ الصالحُ سببُ البركة والسعادة والرِّضا، والذنوبُ والمعاصي تمحَقُ البركةَ، وتُنغِّصُ العيشَ، وتُضيِّقُ الأرزاق، وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ [النحل: 112].
الجوعُ والخوفُ شبحٌ يُرعِبُ كلَّ الأحياء.
بل إن من آثار الذنوبِ والمعاصِي ما لا يخطُر على بالٍ؛ ففي الحديث: «ما توادَّ اثنان فيُفرَّقُ بينهما إلا بذنبٍ يُحدِثُه أحدُهما»؛ رواه البخاري في "الأدب المفرد".
وفي العلاقات الزوجية: تأمَّل تكرار التقوى وآثارَها في سُورة الطلاق، ثم التعقيبَ بقول الله تعالى: وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (8) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (9) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ [الطلاق: 8- 10].
إنها السُّننُ نفسُها تجري على البيوت والأفراد، كما تجري على الأُمم والقُرى.
عن حكيم بن حِزامٍ - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «البيِّعانِ بالخِيار ما لم يتفرَّقَا، فإن صدَقَا وبيَّنَا بُورِكَ لهما في بيعِهما، وإن كذَبَا وكتَمَا مُحِقَت بركةُ بيعِهما»؛ رواه مسلم.
وفي حديث ابنِ عمر - رضي الله عنهما - ذكرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أُصولَ المعاصي الماحِقة للبركة والجالِبة للفقر والبلاء والضَّنْك، وهي: انتشارُ الفواحِش، ونقصُ المكاييل والموازين، ومنعُ الزكاة، ونقضُ العهود، وخيانةُ الأمانة، وتحكيمُ غير شرع الله.
فهل يعِي ذلك التجارُ والمُتبايِعون؟! هل يعِي ذلك من لا يتورَّعُ عن الغشِّ وأخذ الرِّشوة ونقضِ العهود والتلاعُب بالعقود؟! هل يعِي ذلك دُعاةُ الرَّذيلة والانحِلال ممن يُشيعون الفاحشةَ في الذين آمنوا؟!
لقد صدقَ الله: وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]، أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ [آل عمران: 165].
عباد الله:
لازِموا التُّقَى والصلاحِ، وتأمَّلُوا أثرَ ذلك في صحةِ أبدانِكم، وطُمأنينة نُفوسكم، ورغَد عيشِكم، وتمام سعادتكم، اطلُبُوا البركةَ من الله، وخُذوا بأسبابها، وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آل عمران: 132].
اللهم بارِك لنا في القرآن العظيم، واهدِنا صراطَك المُستقيم، أقولُ قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.

الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملكُ الحقُّ المُبين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الصادقُ الأمين، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، عباد الله:
في "الصحيحين" عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: لقِيَني كعبُ بن عُجرة - رضي الله عنه - فقال: ألا أُهدِي لك هديَّةً سمعتُها من النبي - صلى الله عليه وسلم -؟ فقلتُ: بلى، فأهدِها إليَّ. فقال: سألْنا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فقُلنا: يا رسول الله! كيف الصلاةُ عليكم أهلَ البيت؟ فإن اللهَ علَّمَنا كيف نُسلِّم. قال: «قُولوا: اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد».
فالدعاءُ للنبي - صلى الله عليه وسلم - بقولِنا: «وبارِك على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما باركتَ على آل إبراهيم» يتضمَّنُ إعطاءَه من الخير ما أعطاه لآل إبراهيم، وإدامتَه وثبوتَه له، ومُضاعفتَه له وزيادتَه، وقد قال تعالى في إبراهيم وآله: وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ [الصافات: 113]، وقال تعالى في إبراهيم وأهل بيته: رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ [هود: 73].
فاللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن صحابةِ رسولِك أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام وانصُر المسلمين، واخذُل الطغاةَ والملاحِدةَ والمُفسِدين، اللهم انصُر دينكَ وكتابك وسنةَ نبيك وعبادكَ المُؤمنين.
اللهم أبرِم لهذه الأمة أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتِك، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى عن المُنكر يا رب العالمين.
اللهم من أرادَ الإسلامَ والمسلمين بسوءٍ فأشغِله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعل دائرةَ السَّوءِ عليه يا رب العالمين.
اللهم انصُر المُجاهدِين في سبيلك في فلسطين، وفي بلاد الشام، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم فُكَّ حِصارَهم، وأصلِح أحوالَهم، واكبِت عدوَّهم.
اللهم حرِّر المسجدَ الأقصى من ظُلم الظالمين، وعُدوان المُحتلِّين.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَهم في سوريا، اللهم اجمَعهم على الحقِّ والهدى، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم، واحفَظ أعراضَهم، واربِط على قلوبهم، وثبِّت أقدامَهم، وانصُرهم على من بغَى عليهم، اللهم فُكَّ حِصارَهم، اللهم فرَجك القريب.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ به للبرِّ والتقوى، اللهم وفِّقه ونائبَه وإخوانَهم وأعوانَهم لما فيه صلاحُ العباد والبلاد.
اللهم لك الحمدُ على ما أنعمتَ به من شفاء خادم الحرمين الشريفين، اللهم أتِمَّ عليه عافيتك، وألبِسه لباسَ الصحة وتمام الشفاء، اللهم وفِّق وُلاةَ أمور المُسلمين لتحكيم شرعِك، واتباع سنة نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، اللهم اجعلهم رحمةً على عبادك المُؤمنين.
اللهم انشُر الأمنَ والرخاءَ في بلادنا وبلاد المُسلمين، واكفِنا شرَّ الأشرار، وكيدَ الفُجَّار، وشرَّ طوارِق الليل والنهار.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201]، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ [آل عمران: 147].
اللهم اغفر ذنوبنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا ووالدِيهم وأزواجنا وذُرِّياتنا، إنك سميعُ الدعاء. اللهم إنا نسألُك رِضاك والجنةَ، ونعوذُ بك من سخَطك ومن النار، اللهم اجعلنا من عُتقائِك من النار. نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله، نستغفِرُ الله الذي لا إله إلا هو الحيَّ القيومَ ونتوبُ إليه.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبَقًا مُجلِّلاً، عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِر والبَادِ.
اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق.
ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-15-2012, 10:51 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

سلوا الله اليقين

ألقى فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة yvm wtv 1434iJ بعنوان: "سلوا الله اليقين"، والتي تحدَّث فيها عن اليقين وأثره في حياة المسلم، وذكرَ بعضَ الأدلَّة من القرآن والسنة وآثار الصحابة على أهميتِه وفضلِه وعِظَم أثرِه.

الخطبة الأولى

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفرُه ونتوبُ إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِ الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فإن أصدقَ الحديث كلامُ الله، وخيرَ الهدي هديُ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكلَّ مُحدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة.
أيها المسلمون:
صفةٌ عزيزٌ نوالُها، ومطمعٌ تتوقُ إليه كلُّ نفسِ عاقلٍ لبيبٍ، هي طريقٌ قلَّ سالِكوه، وإنها الحادِي في المهامِه، والمُؤنِس في وحشَة الأثَرة، وهي القوةُ في زوبَعةِ الضَّعفِ، والرِّيِّ في ذروة العطَش. هي قبسٌ في ظُلمةٍ، وكثرةٌ في قلَّةٍ.
من اتَّصَفَ بها بلغَ عنانَ السماءِ وإن كان مُضطجِعًا على فِراشِه، للمُتدثِّر بها من الهيبة والوقار والرِّفعة ما لا يفتقِرُ معه إلى حسَبٍ أو نسَبٍ أو جاهٍ، فلا هي بالمال تُشتَرى، ولا بالقوة تُكتسب.
هي صفةٌ وخصلةٌ حضَّ عليها نبيُّنا وقُدوتُنا - صلوات الله وسلامه عليه -، ولا يأمرُنا إلا بما هو خير؛ فقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «سلُوا اللهَ اليقينَ والمُعافاة؛ فإنه لم يُؤتَ أحدٌ بعد اليقين خيرًا من المُعافاة»؛ رواه أحمد.
إنه اليقينُ - عباد الله -، اليقينُ الذي يستقرُّ معه العلمُ بالله - جل وعلا -؛ فلا ينقلِبُ ولا يحُول، ولا يتغيَّرُ في قلبِ المُوقِن؛ بل تغشاه طُمأنينةُ القلبِ على حقيقة الشيء، وتحقيق الإيمان بالغيب الغابِر والحاضر والمُستقبل، بإزالةِ كلِّ شكٍّ أو ريبٍ في جنب الله.
يُحقِّقُ المرءُ في ذلك من خلال يقينه جميعَ مراتبِ اليقين المشهورة، وهي: علمُ اليقين، وعينُ اليقين، وحقُّ اليقين.
هو من الإيمان بمنزلة الروح من الجسد؛ فمن عاشَ بلا يقينٍ ففيه من صفاتِ الميت بلا روحٍ، فلا بُدَّ للمُؤمنِ من اليقين في خبر الله - سبحانه -، فيُوقِنُ المرءُ بكل ما أخبرَ به - سبحانه -، وبكل ما أخبرَ به رسولُه - صلى الله عليه وسلم -، ويُؤمنُ بأمر الله ونهيِه وأمرِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم – ونهيِه.
ليشعُر بالرِّفعةِ والغِبطةِ بأن يصِلَ درجةً فيه قد سبقَه إليها خيارُ أمةِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - بعده، وهو الصدِّيقُ - رضي الله تعالى عنه - الذي جعله اليقينُ صامِدًا ثابتًا في ثلاثة مواقف سجَّلها التأريخُ بمِدادٍ من نورٍ في زمنِ فتنةٍ تهتزُّ لها الجبالُ الراسيات:
أولُها: حينما أتاه كُفَّارُ قريشٍ يُريدون أن يُشكِّكوه في دينه، وما يُخبِرُ به نبيُّه وصاحبُه - صلوات الله وسلامه عليه -، فيقولون له: إن صاحبَك زعمَ أنه أُسرِيَ به لبيت المقدِس، وعُرِج به إلى السماء. فأجابَ دون تريُّثٍ حتى يسمعَ النبي - صلى الله عليه وسلم - ماذا يقول؛ بل قال - مُوقِنًا بعلمه بخبر الصادق المصدوق - صلوات الله وسلامه عليه -، فقال قولتَه المشهورةَ: "إن كان قالَه فقد صدقَ".
نعم، "إن كان قالَه فقد صدقَ".
والموقفُ الآخر: حينما صعدَ أمام الملأ وهم يصطرِخون غيرَ مُصدِّقين بوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "من كان يعبُدُ محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبُدُ اللهَ فإن اللهَ حيٌّ لا يموت".
والموقفُ الثالث: حينما صمَدَ فردًا كأمَّةٍ في قتال المُرتدِّين، وقال قولتَه المشهورةَ: "واللهِ لأُقاتِلنَّ من فرَّقَ بين الصلاةِ والزكاةِ، واللهِ لو منَعوني عِقالاً كانوا يُؤدُّونَها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقاتَلتُهم عليها".
فاليقينُ ليس اقتِناعًا عقليًّا مُجرَّدًا فحسبُ؛ بل لو كان الأمرُ كذلك لما احتاجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو أكملُ الناس عقلاً، وأنقاهم لُبًّا قبل بعثتِه - صلوا الله وسلامه عليه -، ومع ذلك قال الله عنه: وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (52) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [الشورى: 52، 53].
ومن هذا المُنطلَق؛ سألَ هِرقلُ أبا سفيان - رضي الله عنه - قبل إسلامه -: هل يرجِعُ أحدٌ - أي: من أتباع النبي - صلى الله عليه وسلم - عن دينه سخطةً له بعد أن يدخل فيه؟ قال: "لا"، قال: وكذلك الإيمان إذا خالطَت بشاشتُه القلوبَ لا يسخطُه أحدٌ.
ومعلومٌ - عباد الله - أن الإيمانَ إذا لامسَت بشاشتُه القلبَ ارتفعَ بصاحبِه إلى درجةِ اليقين التي لا يعقبُها سخَطٌ على شيءٍ من دين الله.
إن المرءَ المُؤمِنَ بربِّه إذا عاشَ حياتَه باليقين بالله علِمَ أن الدنيا لا تُساوي عند الله جناحَ بعوضةٍ، وأنه لن يأخُذ منها إلا ما كُتِبَ له فيها؛ لأن له غايةً ساميةً ترتفعُ عن غايات الآخرين، ومن ذاقَ عرَفَ، وليس راءٍ كمن سمِع؛ لأنه عملٌ قلبيٌّ بين المرء وبين ربِّه لا يرى أثرَه عليه من الناس إلا ذوو البصيرة اللمَّاحُون، وبخاصَّةٍ حالَ خشية الله في الغيبِ والشهادة، وقولِ الحقِّ في الغضبِ والرِّضا، والامتِثال بأمر الله وأمر رسوله - صلى الله عليه وسلم - في المنشَط والمكرَه.
وحُقَّ لصاحب اليقين هذا أن يُؤتَى البصيرة والهُدى والرحمة، وما قِوامُ الحياة الدينية الحقَّة إل بتلكُم الخِصال الثلاث، ولقد صدقَ الله - سبحانه -: هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [الجاثية: 20].
المُوقِنُ حقًّا - عباد الله - هو من لا يعرِفُ إلا الله، ولا يرجُو غيرَه، ولا يخافُ إلا هو، لا يضُرُّه من ضلَّ إذا هو اهتدَى، يرضَى أن يذهبَ الناسُ بالشاء والبعير، والدينار والدرهَم، والحسَب والجاهِ، ويذهبَ هو بربِّه - جلَّ شأنُه -؛ لأن من عرفَ اللهَ فلن يُبالِيَ بمن لا يعرِفُ الله، ومن عرفَ الحقَّ فلن يُضيرَه من لا يعرِفُ إلا الباطلَ.
ولا جرَم - عباد الله -؛ فمن وجدَ اللهَ فماذا فقدَ؟! ومن فقدَ اللهَ فماذا عساه أن يجِد؟!
لقد أكرمَ اللهُ الخليلَ إبراهيم - عليه السلام - باليقين؛ حيث قال: وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الأنعام: 75].
فكان يقينُه بالله لا يزيدُه إلا إيمانًا بربِّه، وأنه على الحقِّ المُبين، ولا يزيدُه إلا قناعةً بضلال قومِه وانحِرافِهم عن جادَّة الطريقِ، الذين اتَّخَذوا من دون الله آلهةً وصدُّوا عن سبيل الله وكانوا مُستبصِرين.
اليقينُ - باد الله - هو الذي جعلَ الخليلَ إبراهيم - عليه السلام - يمتثِلُ أمرَ ربِّه في ذبحِ ابنِه إسماعيل، وهو الذي جعلَ ولدَه إسماعيل يقول لأبيه: افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ [الصافات: 102].
قال - صلوات الله وسلامه عليه -: «أحبُّ الأعمال إلى الله: إيمانٌ لا ريبَ فيه، أو لا شكَّ فيه»؛ رواه أحمد.
وهذه مرتبةُ علمِ اليقين المشهورة.
وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: "الصبرُ شطرُ الإيمان، واليقينُ الإيمانُ كلُّه"؛ رواه البخاري.
إنه لا يُمكن لأحدٍ أن يكون هادِيًا مهديًّا في بيته وسُوقه، ومُجتمعه وأمَّته وهو فاقدٌ أهمَّ مُقوِّمات اليقين بالله؛ لأن الله - جل وعلا - يقول: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ [السجدة: 24]، ولم يقُل: يشكُرون، أو يعقِلون، أو يسمَعون؛ لأن المُتَّصفين بها كثُر.
ولأجل هذا؛ لما كانت الإمامةُ في الدين عزيزةً ربَطَها بأمرٍ عزيزٍ في القلوبِ - وهو اليقينُ بالله -، ولا يُدرِكُ حقيقةَ اليقين ولا يستطعِمُ ثمرتَه إلا من نظرَ للموت والحياةِ نظرَ العالِمِ العارِفِ.
ولقد اختصرَ أميرُ المؤمنين عليٌّ - رضي الله عنه - صورةَ اليقين في أوجز عبارةٍ في التعامُل مع العيش والموت، اللَّذَيْن هما محلُّ اليقين بالله، فقال - رضي الله تعالى عنه -:
أيُّ يوميَّ من الموتِ أفِرُّ يومَ لا يُقدَر أو يوم قُدِر
يوم لا يُقدَر لا أحذَرُه ومن المقدورِ لا ينجُو الحَذِر
فهذا يقينٌ استحضَرَ فيه كلَّ لحظةٍ تضعُفُ فيها النفسُ مع زُخرُف الدنيا على حسابِ خالقِها ومولاها، أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ [التوبة: 38].
بسم الله الرحمن الرحيم: أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (3) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (4) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (5) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (6) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (7) ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ [التكاثر: 1- 8].
باركَ الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمنَ الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.
وبعد:
فاعلَموا - يا رعاكم الله - أن اليقينَ بالله قد أوصلَ عبادَه الراسِخين في العلمِ إلى أن يقولوا عن دين الله وأمرِه ونهيِه: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [آل عمران: 7]، لا يُمارُون في ذلك، ولا يُجادِلون في حقيقته، ولا ينكُثون عنه، ولا يُؤمِنون ببعضِه ويكفُرون ببعضٍ، وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [النور: 49، 50].
فارتِضاءُ شرع الله بحذافِيره على أكمل وجهٍ هو أساسُ اليقين بالله الذي لا يقبَلُ التجزِئةَ والتبعيضَ، ولقد صدقَ الله: أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ [المائدة: 50].
ولقد كان من دُعاء المُصطفى - صلوات الله وسلامه عليه - في الحديث المشهور: «ومن اليقين ما تُهوِّنُ به علينا مصائبَ الدنيا»؛ رواه الترمذي.
أي: هبْ لنا من اليقين ما نرضَى به على كل بلاءٍ ومُصيبةٍ لك فيها حِكمة؛ لئلا نسخَطَ شيئًا من أمرِك وقدرِك، وألا نرتدَّ على أعقابنا بمُجادلتِنا في الاستِسلام لشرعِك.
إن يقينَ المُؤمن كالنور من فوقِه النور يُضيءُ في سمائه على الدوام؛ لأنه يُدرِكُ أن اللهَ يرى مكانَه، ويسمعُ نجواه، ويعلمُ بلْواه وأزيزَ صدره المُفعَم باليقين، ليُدرِك أن ما أصابَه لم يكن ليُخطِئه، وما أخطأَه لم يكن ليُصيبَه، وأنه ما ابتلاهُ إلا ليُعافِيَه، وما أخذَ منه إلا ليُعطِيَه، وما نقصَ منه إلا ليزيدَه، يأخُذ بيدِه في المضايِق، ويطوِي له الطريقَ إذا جدَّ به المسيرُ، وفي نهاية النفقِ المُظلِم ضوءٌ ساطِعٌ، وللأقفال مفاتيح، وللظمآن مورِد، وفي المِحَن منَح، وبعد التَّرَح فرَح، وتحت الرُّغوة اللَّبنُ الصريحُ، وما الدُّنيا إلا كسرابٍ بقيعةٍ، وأنَّ مردَّنا إلى الله، وأنَّ الآخرةَ هي دارُ القرار.
من رامَ أن يحيا حياةً حرَّةً ويُعزَّ في دنيا الورَى والدينِ
فليَرْجُ عافيةً يقَرُّ بمثلِها وليحمِ إيمانًا له بيقينِ
هذا وصلُّوا - رحمكم الله - على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، صاحبِ الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ صاحبِ الوجه الأنور، والجبين الأزهَر، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشركَ والمشركين، اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ وسنةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أحسِن أحوالَ المسلمين في كل مكانٍ، اللهم أحسِن أحوالَ المسلمين في كل مكانٍ، اللهم ألِّف بين قلوبِهم، اللهم كُن لإخواننا المُضطهَدين في دينهم في سائر الأوطان، اللهم كُن لهم ولا تكُن عليهم، وانصُرهم ولا تخذُلهم، اللهم انصُرهم على من ظلمَهم.
اللهم انصُر إخواننا المُسلمين في بُورما، وفي سُوريا يا ذا الجلال والإكرام. اللهم اجعل شأنَ عدوِّهم في سِفال، وأمرَه في وبال يا حي يا قيوم، يا رب العالمين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بِطانتَه يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم إنا خلقٌ من خلقِك فلا تمنَع عنا ذنوبِنا فضلَك.
اللهم لتَجْعلَه بلاغًا للحاضرِ والباد يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
سبحان ربِّنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-28-2012, 06:42 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

اتقاء الفتن
ألقى فضيلة الشيخ أسامة بن عبد الله خياط - حفظه الله - خطبة الجمعة 15 محرم 1434هـ بعنوان: "اتقاء الفتن"، والتي تحدَّث فيها عن الفتنِ وكيفية اتِّقائِها والنجاة منها، وبيَّن أنها نوعان: فتنُ الشُّبُهات وهي أخطرُها وأشدُّها، وفتنُ الشَّهوات، وذكرَ بعضَ الآيات والأحاديث المُدعِّمةِ لذلك.

الخطبة الأولى
الحمد لله الملك القدوس السلام، أحمده - سبحانه - على آلائه ومِنَنه العِظام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله قدوةُ المُتقين وسيدُ الأنام، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبِه صلاةً وسلامًا دائمَيْن ما تعاقَبَت الليالي والأيام.
أما بعد:
فاتقوا الله - عباد الله -، واذكُروا أنكم وقوفَكم بين يديه - سبحانه -، يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ[الشعراء: 88، 89].
أيها المسلمون:
كمالُ الحِرصِ على اتِّقاءِ الفتنةِ، والحذرِ من سُلوك سبيلِها والتعرُّض لأسباب الوقوع فيها ديدَنُ أُولِي الألباب، وطريقُ من خشِيَ الرحمنَ بالغيب، ونهجُ ذوي البصيرة من عباد لله، يحدُوهم إلى ذلك قوةُ يقين، وكمالُ تصديقٍ بما جاء عن الله ورسوله - صلوات الله وسلامه عليه - من البيِّناتِ المُحذِّرة من غوائِلها، الدالَّة على سبيل السلامة من شُرورها، المُرشِدة إلى الطريق الواجبِ انتِهاجُه وقتَ وقوعِها.
وفي الطليعةِ من ذلك: قولُ ربِّنا - سبحانه - في التحذير منها، وبيان عمومِ الضَّرر بها: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ[الأنفال: 25]، وقولُ نبيِّنا - صلواتُ الله وسلامه عليه -: «ستكونُ فتنٌ القاعِدُ فيها خيرٌ من القائِم، والقائمُ فيها خيرٌ من الماشِي، والماشِي فيها خيرٌ من السَّاعِي، ومن تشرَّف لها - أي: تُهلِكُه، بأن يُشرِفَ منها على الهلاك -». وحاصِلُه: أنَّ من تعرَّض لها بشخصِه تعرَّضَت له بشرِّها.
ثم قال - صلى الله عليه وسلم -: «ومن وجدَ ملجَأً أو معاذًا فليَعُذْ به - أي: فليلْجَأْ إليه -»؛ أخرجه الشيخان في "صحيحيهما".
وقولُه - عليه الصلاة والسلام -: «بادِرُوا بالأعمال فِتَنًا كقِطع الليل المُظلِم، يُصبِحُ الرجلُ مؤمنًا ويُمسِي كافرًا، أو يُمسِي مؤمنًا ويُصبِحُ كافرًا، يبيعُ دينَه بعَرَضٍ من الدنيا»؛ أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -.
ولا ريبَ أن معرفةَ حقيقة الفتنةِ أصلُ درءِ خطرِها،وصون النفس عن الاصطِلاء بنارِها.
والفتنةُ - كما قال ابن القيم - رحمه الله - نوعان: "فتنةُ الشُّبهات - وهي أعظمُ الفتنتَيْن -، وفتنةُ الشَّهوات. وقد يجتمِعان للعبد، وقد ينفرِدُ بإحداهما. ففتنةُ الشُّبُهات ناشِئةٌ من ضعفِ البصيرة، وقِلَّة العلم، لا سيَّما إذا اقترنَ بذلك: فسادُ القصد، وحُصولُ الهوَى، فهنالك الفتنةُ العُظمى، والمُصيبةُ الكُبرى".
فقُل ما شئتَ في ضلال سيِّئ القصدِ الذي حكَمَ عليه الهوَى لا الهُدى، مع ضعفِ بصيرتِه، وقِلَّة علمِه بما بعثَ اللهُ به رسولَه - صلى الله عليه وسلم -؛ فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ[النجم: 23].
وقد أخبرَ الله - سبحانه - أن اتِّباعَ الهوى يُضِلُّ عن سبيلِه فقال: يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ[ص: 26].
وهذه الفتنةُ - يا عباد الله - مآلُها إلى الكفر والنِّفاق، وهي فتنةُ المنافقين وفتنةُ أهل البِدَع على حسب مراتبِ بدَعهم، ولا يُنجِّي من هذه الفتنة إلا تجريدُ اتِّباع الرسُول - صلى الله عليه وسلم - وتحكيمُه في دقِّ الدين وجِلِّه، ظاهره وباطنِه، عقائِدِه وأعمالِه، حقائِقِه وشرائِعِه.
فيُتلقَّى عنه - عليه الصلاة والسلام - حقائقُ الإيمان وشرائعُ الإسلام، وما يُثبِتُه لله من الصفاتِ والأفعال والأسماء، وما ينفِيه عنه، كما يُتلقَّى عنه وجوبُ الصلوات وأوقاتُها وأعدادُها، ومقاديرُ الزكاة ومُستحقِّيها، ووجوبُ الوضوء، وصومُ رمضان، وحجُّ البيت لمن استطَاع إليه سبيلاً، وغيرُ ذلك من شرائع الإسلام.
فلا يجعلُه رسولاً في شيءٍ دون شيءٍ من أمور الدين؛ بل هو رسولٌ في كل شيءٍ تحتاجُ إليه الأمةُ في العلم والعمل، لا يُتلقَّى إلا عنه، ولا يُؤخَذُ إلا منه - عليه الصلاة والسلام -.
وأما النوعُ الثاني من الفتنة: فهي فتنةُ الشَّهوات. وقد جمع - سبحانه - بين ذكرِ الفِتنتَيْن في قوله - عزَّ اسمُه -: كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ[التوبة: 69]؛ أي: تمتَّعوا بنصيبِهم من الدنيا وشهَواتِها، والخلاقُ هو النَّصيبُ المُقدَّر، ثم قال: وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا، فهذا الخوضُ بالباطلِ وهو الشُّبُهات.
فأشارَ - سبحانه - في هذه الآية إلى ما يكونُ به فسادُ القلوب والأديان من الاستِمتاع بالخلاقِ والخوضِ في الباطل؛ لأن فسادَ الدين إما أن يكون باعتِقاد الباطلِ والتكلُّم به، أو بالعمل بخلافِ العلمِ الصحيح.
وأصلُ كلِّ فتنةٍ إنما هو من تقديمِ الرأي على الشرع، والهوى على العقل، وتقديمُ الرأي على الشرع أصلُ فتنةِ الشُّبهة، وتقديمُ الهوى على العقل أصلُ فتنةِ الشَّهوة. وفتنةُ الشُّبهات تُدفعُ باليقين، وفتنةُ الشَّهوات تُدفَعُ بالصبر.
ولذلك جعلَ - سبحانه - إمامةَ الدين منوطةً بهذَين الأمرَيْن؛ فقال - عز وجل -: وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ[السجدة: 24]، وهو دليلٌ على أنه بالصبر واليقين تُنالُ الإمامةُ في الدين، ودليلٌ أيضًا على أن فتنةَ الشَّهوة تُدفَعُ بكمال العقل والصبر، وأن فتنةَ الشُّبهة تُدفَعُ بكمال البصيرةِ واليقينِ؛ أي: بما جاء عن الله من البيِّنات والهُدى.
فاتقوا الله - عباد الله -، وحَذارِ ثم حذارِ من فتنِ الشُّبهات وفتنِ الشَّهوات.
اللهم إنا نسألك الثَّباتَ على دينِك، والاستِقامةَ على شرعِك، ونسألُك أن تقِيَنا من مُضِلاَّت الفِتَن، إنك سميعٌ مُجيبُ الدعاء.
نفعَني الله وإياكم بهديِ كتابه، وبسُنَّة نبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولكافة المسلمين من كل ذنبٍ، إنه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية
الحمد لله الذي خلقَ فسوَّى، والذي قدَّر فهدى، أحمده - سبحانه - وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثَّرى، وأشهد أن سيِّدَنا ونبيَّنا محمدًا عبد الله ورسوله المُصطفى وحبيبُه المُجتبى، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه والتابعين ومن بهديِه اهتدَى.
أما بعد، فيا عباد الله:
إن المُخالفَةَ عن أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو سبيلُه، ومنهاجُه، وطريقتُه، وسُنَّتُه، وشريعتُه - هو من أعظم أسباب الفِتنةِ في الدين، كما قال - سبحانه -: فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ[النور: 63].
والمُراد: فليحْذَر وليَخشَ من خالفَ شريعةَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - باطِنًا وظاهِرًا أن تُصيبَهم فتنةٌ - أي: في قلوبهم - من كُفرٍ، أو نفاقٍ، أو بدعةٍ، أو يُصيبَهم عذابٌ أليمٌ؛ أي: في الدنيا بقتلٍ، أو حدٍّ، أو حبسٍ. كما جاء في الحديث الذي أخرجه الشيخان في "صحيحيهما" عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «مثَلي ومثَلُكم كمَثَل رجلٍ استوقَدَ نارًا، فلما أضاءَت ما حولَها جعلَ الفَراشُ وهذه الدوابُّ يقَعْنَ في النار، وجعلَ يحجِزُهنَّ ويغلِبْنَه فيقتحِمْنَ فيها». قال: «فذلِكَ مثلِي ومثَلُكم، أنا آخِذٌ بحُجَزِكم هلُمَّ عن النار فتغلِبُونَني وتقتحِمون فيها».
فاتقوا الله - عباد الله -، وحَذارِ من المُخالفَة عن أمر رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن عاقبةَ ذلك الإصابةُ بالفِتنةِ في الدنيا، والعذابِ الأليم في الآخرة.
واذكروا على الدَّوام أن الله تعالى قد أمرَكم بالصلاة والسلام على خاتم النبيين، وإمام المُتَّقين، ورحمةِ الله للعالمين، فقال - سبحانه - في الكتابِ المُبين: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خُلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الآلِ والصحابةِ والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وكرمك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واحمِ حوزةَ الدين، ودمِّر أعداء الدين، وسائرَ الطُّغاةِ والمُفسدين، وألِّف بين قلوب المسلمين، ووحِّد صفوفَهم، وأصلِح قادتَهم، واجمع كلمتَهم على الحق يا رب العالمين.
اللهم انصر دينكَ، وكتابكَ، وسنةَ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعبادكَ المؤمنين المُجاهِدين الصادقين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورِنا، وأيِّد بالحق إمامَنا ووليَّ أمرنا، وهيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ، ووفِّقه لما تُحبُّ وترضى يا سميعَ الدعاء، اللهم وفِّقه ووليَّ عهده وإخوانَه إلى ما فيه خيرُ الإسلام والمُسلمين، وإلى ما فيه صلاحُ العباد والبلاد يا مَن إليه المرجِعُ يوم التَّناد.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي فيها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، واجعل الموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتِك، وتحوُّل عافيتك، وفُجاءة نقمتِك، وجميع سخَطك، اللهم إنا نسألُك فعلَ الخيرات، وتركَ المُنكَرات، وحُبَّ المساكين، وأن تغفِرَ لنا وترحمَنا، وإذا أردتَّ بقومٍ فتنةً فاقبِضنا إليك غيرَ مفتُونين.
اللهم أحسِن عاقبَتنا في الأمور كلِّها، وأجِرنا من خِزي الدنيا وعذابِ الآخرة.
اللهم اشفِ مرضانا، وارحم موتانا، وبلِّغنا فيما يُرضيك آمالَنا، واختِم بالصالحات أعمالَنا.
اللهم قِنا شرَّ الفتن، اللهم قِنا شرَّ الفتن ما ظهرَ منها وما بطَن عن بلدنا هذا خاصَّةً، وعن كافة بلاد المُسلمين عامَّةً يا رب العالمين.
اللهم إنا نجعلُك في نحورِ أعدائِك وأعدائِنا، ونعوذُ بك من شرورهم، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ يا رب العالمين، اللهم اكفِنا أعداءَك وأعداءَنا بما شئتَ يا رب العالمين.
رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ[آل عمران: 8]، رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ[الأعراف: 23].
اللهم احفَظ المُسلمين في كل دِيارِهم، اللهم احفَظهم في سوريا، وفي فلسطين، وفي ميانمار، اللهم انصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم يا رب العالمين، اللهم كُن لهم، الله اجبُر كسرَهم، وارحَم ضعفَهم، واشفِ جرحاهم، واكتُب أجرَ الشهادة لقتلاهم يا رب العالمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201].
وصلَّى اللهم وسلَّم على عبدِه ورسولِه نبيِّنا محمدٍ وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-05-2013, 10:37 AM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

الفساد.. آثاره وكيفية مكافحته

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة 22 صفر 1434هـ بعنوان: "الفساد.. آثاره وكيفية مكافحته"، والتي تحدَّث فيها عن الفساد وآثاره الوخيمة على الأفراد والمُجتمعات، وذكرَ في عدَّة نقاطٍ السُّبُل الصحيحةَ في كيفية مُحاربته ودفعِه والتخلُّص منه.

الخطبة الأولى
الحمد لله، الحمد لله العلي العظيم، الجوادُ الكريم، جلَّ عن الشبيه والنَّظير، وتعالى عن المَثيل والظَّهير، أحمدُه - سبحانه - على سوابِغ نعمه، وأشكرُه على ما صرفَ من أسباب سخَطه ونِقَمه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةَ توحيدٍ يأتي صاحبُها آمنًا يوم القيامة ويُحِلُّه بها ربُّه دارَ الكرامة، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله علَّمه ربُّه ما لم يكن يعلم، وجعلَ أمَّتَه خيرَ الأمم، صلَّى الله عليه وبارَك وسلَّم، وعلى آله الطيبين الطاهرين نالُوا بهذا الدين عِزًّا وسُلطانًا، وعلى أصحابه الغُرِّ الميامين كانوا على الحق والخير إخوانًا وأعوانًا، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ممن إذا ذُكِّروا بآيات ربِّهم زادَتهم إيمانًا، ولم يخِرُّوا عليها صُمًّا وعُميانًا، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -، واستعينوا بربِّكم على تصاريف المقادير، آثِروا في الله حُبَّكم، وارعَوا حقوقَه في دينِكم، ولا يعظُمُ في أعيُنكم كبيرٌ من المعروف تفعلونَه، ولا تحتقِروا صغيرًا من المُنكَر تقترفُونَه، واعتبِروا بمن مضى، وتفكَّروا في مُنصرَف الفريقين: فريقٍ في الجنة يحبُّه الله ويرضاه، وفريقٍ في السَّعير يُبغِضُه الله ويأباه،
فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (102) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ[المؤمنون: 101- 103].
أيها المسلمون:
حين يكونُ المُسلمُ الصالحُ في موقع المسؤوليَّة فهو الحارسُ الأمينُ - بإذن الله - لمُقدَّرات البلاد والعباد، يحفظُ الحقَّ، وينشُر العدل، ويُخلِصُ في العمل، ويُحافِظُ على مُكتسَبات الأمة. صاحبُ المسؤولية المُخلِصُ صالحٌ في نفسه مُصلِحٌ لغيره، يأمرُ بالصلاح، وينهى عن الفساد.
والإسلام قد جعلَ من الرَّقابة مسؤوليَّةً يتحمَّلُها الفردُ كما تتحمَّلُها الجماعة، وهذا هو الاحتِسابُ في بابِه الواسِع. فالاحتِسابُ بسَعته وشمُوله رَقابةً ومُراقبةً يحمِي الفردَ والمُجتمعَ والمُنشآت والدولة، يحميها - بإذن الله - من الفساد والإفساد، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ[الحج: 41].
«من رأى منكم مُنكرًا فليُغيِّرهُ بيدِه، فإن لم يستطِع فبلِسانِه، فإن لم يستطِع فبقلبِه وذلك أضعفُ الإيمان».
وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ[التوبة: 71]، وفي الحديث: «إن اللهَ لا يُعذِّبُ العامَّةَ بعملِ الخاصَّة، حتى يرَوا المُنكرَ بين ظهرانَيهم وهو قادِرون على أن يُنكِروه فلا يُنكِرونَه، فإذا فعلُوا ذلك عذَّبَ الله الخاصَّةَ والعامَّةَ».



معاشر المسلمين:
وظيفةُ الاحتِساب وظيفةٌ رقابيَّة في ميادين الأخلاق والدين والسياسة والاجتماع والإدارة والاقتصاد، وغيرها.
وقد قال أهلُ العلم: "إن الاحتِساب هو الأمرُ بالمعروف إذا ظهرَ تركُه، والنهيُ عن المُنكَر إذا ظهر فعلُ، تحقيقًا للعدل، ونشرًا للفضيلة، ومُكافحةً للفساد والرَّذيلة، وحمايةً للنَّزاهة والصلاح".
معاشر الإخوة:
الاحتِسابُ عملٌ رقابيٌّ توجيهيٌّ إرشاديٌّ لكل نشاطٍ مُجتمعيٍّ عامٍّ أو خاصٍّ؛ لتثبيتِ أصول الدين وأحكام الشرع، ومعايير الأخلاق، ورفع كفاءة الأداء كفاءةً وأداءً يتحقَّقُ به السلوك الرشيد، وتُعظَّمُ به المصلحةُ الفردية والاجتماعيَّة في الدنيا والآخرة.
إن العاملَ الصالحَ، والمُوظَّف الصالحَ، والمُواطِنَ الصالحَ بإيمانه بربِّه وبوازِعٍ من دينه يجتهِدُ في أداء عمله، ويحرِصُ على منع المُمارسات الخاطِئة، أو يكشِفُ عنها لمن يستطيعُ منعَها.
العاملُ الصالحُ عنده من الصدق في دينه، والأمانة في عمله، والولاء لمُجتمعه، والحِرص على المصلحة العامَّة ما يدفعُه إلى الإحسان وإلى الجدِّ وحُسن الإنتاجِ، وعدمِ الرِّضا بالفساد والانحِراف.
ذلكم - معاشر الأحبَّة - أن الفسادَ بكل أنواعه سلوكٌ مُنحرِفٌ في الأفراد وفي الفئات، يرتكِبُ صاحبُه مُخالفاتٍ من أجل أن يُحقِّقَ أطماعًا ماليَّةً غير شرعيَّة، أو مراتِبَ وظيفيَّة غيرَ مُستحقَّة، مما يُؤدِّي إلى الكسبِ الحرام، وإضعافِ كفاءة الأجهزة والمُؤسَّسات والمُنشآت.
الفسادُ منهجٌ مُنحرِفٌ مُتلوِّنٌ مُتفلِّتٌ مُتستِّرٌ، مُحاطٌ بالسريَّة والخوف، يدخلُ في كل مجالٍ: في الدين، وفي السياسة، وفي الاقتصاد، وفي الاجتماع، وفي الثقافة، وفي الإدارة.
الفسادُ تواطُؤٌ وابتِزازٌ، وتسهيلٌ لارتكِاب المُخالفات الممنوعة والمُمارسات الخاطِئة. الفسادُ استِغلالٌ مقيتٌ للإمكانات الشخصيَّة والرسميَّة والاجتماعية، يستهدِفُ تحقيقَ منافع غير شرعيَّة، ومكاسِب مُحرَّمة لنفسِه ولمن حولَه. سوءُ استِغلالٍ للسُّلطة والصلاحيَّة، في مُخالفةٍ للأحكام الشرعيَّة، والقِيَم الأخلاقيَّة، والأنظمَة المرعيَّة.
الفسادُ داءٌ مُمتدٌّ لا تحُدُّه حدودٌ، ولا تمنعُه فواصِلُ، يطَالُ المُجتمعات كلَّها مُتقدِّمها ومُتخلِّفها بدرجاتٍ مُتفاوِتة، وفي التنزيل العزيز: ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[الروم: 41].
معاشر المسلمين:
وكل انحرافٍ بالوظيفة العامَّة أو الخاصَّة عن مسارِها الذي وُضِعَت له ووُجِدت لخدمته فهو فسادٌ وجريمةٌ وخِيانةٌ. بالفساد تضطربُ الأولويات في برامج الدولة، وفي برامج الدول ومشاريعِها، وتُبدَّدُ موارِدُها، وتُستنزَفُ مصادِرُها.
بالفساد تتدنَّى مُستوى الخدمات العامَّة، وتتعثَّرُ مشارِيع، ويسُوءُ التنفيذ، وتضعُفُ الإنتاجيَّة، تُهدَرُ مصالحُ الناس، ويضعُفُ الاهتِمامُ بالعمل وقيمة الوقت، ويضطربُ تطبيقُ الأنظمة وعدالةُ المعايير.
الفساد يُؤدِّي إلى التغاضِي عن المخاطِر التي تلحَقُ الناسَ في مآكِلهم وفي مشاربِهم وفي مرافِقِهم الصحيَّة والتعليمية، وفي طُرقهم، وفي أنظِمة الأمان والحصول على الخدمات العامَّة.
الفسادُ يُزعزِعُ القِيَم الأخلاقيَّة القائمةَ على الصدق والأمانة والعدل وتكافُؤ الفرص وعدالة التوزيع، وينشُر السلبيَّة، وعدمَ الشعور بالمسؤولية، والنوايا السيئة، وينشُر الشعورَ بالظلم، مما يُؤدِّي إلى حالاتٍ من الاحتِقانِ والحِقدِ والتوتُّر والإحباط واليأسِ من الإصلاح.
الفسادُ يجعلُ المصالحَ الشخصيَّة تتحكَّمُ في القرارات، ويضعُفُ الولاءُ الصادقُ للحق وللأمة وللدولة، ويُعزِّزُ العصبيَّةَ المذمومة مذهبيَّةً أو قبَليَّةً أو حِزبيَّةً، فهو يُهدِّدُ الترابُط الأخلاقيَّ، وقِيَم المُجتمع الحميدة المُستقرَّة.
الفسادُ يُولِّدُ مُشكلاتٍ خطيرةً على استِقرار المُجتمعات وأمنِها وقِيَمها الأخلاقيَّة، وسيادة الأنظمة. الفسادُ يتواصَلُ مع أشكال الجريمة المُنظَّمة والجرائم الاقتصادية بما فيها ما يُعرَفُ بـ "غسيل الأموال".
الفسادُ يُعيقُ تطبيقَ الخُطط الصحيحة، والسياسات الإيجابيَّة، كما يُعرقِلُ جهودَ التغيير نحو الأفضل؛ بل إنه يُقوِّضُ الدولَ والمُؤسَّسات، ويُبعثِرُ الثَّروات، وينخَرُ في الإدارات، ويتناسَبُ طردًا مع الانحِرافات والمُنكَرات والأمراض المُجتمعيَّة والأخلاقيَّة.
معاشر الأحبَّة:
وللفساد مظاهرُ كثيرة، وصورٌ عديدة، ومسالكُ مُتنوِّعة؛ من الاختِلاس، والرِّشوة، وسوء استِخدام السُّلطة والصلاحيات، وإفشاء أسرار العمل، أو كِتمانِ معلوماتٍ حقُّها أن تكون معلومةً مُعلَنةً؛ سواءً في شأنٍ ماليٍّ أو وظيفيٍّ، والتزوير، والعبثُ بالوثائق والمُستندات والقرارات، وعدم احتِرام العمل وأوقات الدَّوام حُضورًا أو انصِرافًا، وضعف الإنجاز، والتشاغُل أثناء العمل بقراءاتٍ خارجيَّة، أو استِقبال من لا علاقةَ لهم بالعمل، والبحث عن منافِلَ وأعذارٍ، والتهرُّب من تنفيذِ الأنظِمة والتعليمات والتوجيهات، وعدمِ المُبالاة، والعُزوف عن المُشاركة الفاعِلة، والإسرافِ في استِخدامِ المالِ العام - ولو كان يسيرًا - في الأثاث والأدواتِ المكتبيَّة، والمُبالَغة في إقامةِ المُناسَبات، وسُوء توظيف الأموال، وإقامة مشارِيع وهميَّة، والعبَث بالمُناقَصات والمُواصَفات، في صُورٍ وأشكالٍ لا تقعُ تحت حصرٍ.
أيها المسلمون:
إذا كان الأمرُ كذلك؛ فلا بُدَّ من مُحاربة الفساد ومُكافحته، والتِزام الصلاح والإصلاح والنزاهة والشفافية، وذلك هو المِفتاحُ القائدُ - بإذن الله - لأسباب الخير والفلاح، والتوفيق والصلاح، والأمن والطمأنينة، وانتشار العدالة.
ومُحاربةُ الفساد ليست وظيفةً لجهةٍ مُعيَّنةٍ أو فِئةٍ خاصَّةٍ؛ بل هي مسؤوليَّةُ الجميع ديانةً وأمانةً وخُلُقًا ومسؤوليَّة.
النزاهةُ والعدالةُ في الإصلاح تحفَظُ هيبةَ الدول وكرامتَها وتُؤكِّدُ التلاحُم بينَها وبين مُواطِنيها، وتغرِسُ الثِّقةَ في الأجهزة والأنظمة. النزاهةُ تُعطِي قيادات الدول دفعًا أكبر في مُحاربة الفساد في جميع صُوره وأشكاله؛ إداريًّا وماليًّا وأخلاقيًّا.
مقاييسُ النزاهة هي: الديانة، والصدق، والعدالة، والوضوح والشفافية. في أجواء النَّزاهة تكونُ المُنافَسات النَّزيهة، والتنافُس الشريف على تقديم الأفضل والأجود والأنسَب.
أيها المسؤولون:
ومما يُعينُ على ذلك: تحديدُ مسؤوليَّات المُوظَّف، وإصدارُ الأدلَّة الإرشاديَّة، والتوعيَّة المُنظَّمة، وتبصيرُ الناس بحقوقِهم، وتشجيعُهم على المُساعَدة في كشفِ المُفسِدين.
ومما يُعينُ على ذلك كذلك: إصلاحُ أجهزة الرَّقابة، وتقويتُها، ودعمُها في كفاءاتها، وتبسيطُ أساليب العمل الإداريِّ، وتقويةُ الرَّقابة المُحاسبيَّة الإداريَّة والنظاميَّة والماليَّة، وسنُّ الأنظمة الصارِمة في مُواجَهة الفساد، وتطبيقُها بحزمٍ وعدالةٍ وحياديَّةٍ، والبُعدُ عن المُجاملات المُضعِفة، والعناية ببرامِج الإصلاح الإداريِّ ومنحُها الأولوية، وتوسيعُ دائرة تكافُؤ الفُرص والمُساواة على أساسِ معايير الجدارة والاستِحقاق، إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ[القصص: 26].
وغرسُ قِيَم الجدِّ في العمل، وحِفظُ الوقت، والتواصِي بالحقِّ، والتِزامُ الأخلاق؛ من الصِّدقِ، والأمانة، والإخلاص، وحُسن الظنِّ، بعد الإيمان بالله وصدقِ التعلُّق به والاعتِماد عليه، والاهتِمام بالمصلحة العامَّة، والشعور الحق بالمسؤوليَّة، وزرعُ الثِّقَة من الجميع، مع بثِّ أجواء حرية الرأي والمناقَشة والمُكاشَفة.
وبعدُ - حفِظكم الله -؛ فالخللُ ليس في الأنظمة والقوانين والنُّصوص، ولكنَّه في الإدارات والمُجتمعات والنفوس.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ[القصص: 77].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله، الحمد لله المُتفرِّد بكمال الذات، وجميل الصفات، لا إله إلا هو وسِعَ سمعُه جميعَ الأصوات، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه على سوابِغ نعَمه المُتوالِيات، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تُبلِّغُ من رِضوانه أعلى الدرجات من الجنَّات، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه الهادي إلى الحقِّ والمُنقِذ - بإذن ربِّه - من الضلالات، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه أُولِي الفضائل والمكرُمات، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما دامَت الأرضُ والسماوات، وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد، أيها المسلمون:
في حماية النَّزاهة وأهلِها ومُحارَبة الفساد ومُكافَحة المُفسِدين ليس الهدفُ محصورًا في البحث عن المُذنِبين والفاسِدين؛ بل يُضمُّ إلى ذلك ويتوازَى: إيجادُ الوعيِ الفعَّال بحجم الأضرار الناجِمة عن الفساد، وهي أضرارٌ دينيَّةٌ وسياسيَّةٌ وماليَّةٌ وأمنيَّةٌ وثقافيَّةٌ واجتماعيَّةٌ، في برامِج إصلاحٍ شاملةٍ، وتعاوُنٍ من الأجهزة كلِّها العامَّة والخاصَّة، ومُشاركة المُجتمع بكل مُؤسَّساته، وإعطاء الفُرص للاستِماع إلى آراء العامِلين ومُلاحظاتهم ومُقترحاتهم وشكاواهم ومُناقشاتهم.
وفي هذا البابِ للإعلام دورُه الفعَّال في نشر الوعيِ الصحيحِ، والمعلومات والحقائق، في تثبُّتٍ وتحرٍّ وحِياديَّةٍ ووقارٍ، وعدم التسرُّع في توجيه الاتهام للأفراد أو الجِهات، مع الثَّناء على ما يستحقُّ الثَّناء، والإشادة بالصالحين والشُّرفاء، وأصحاب الأداء الحسن والإيجابيَّة في العمل، وهم كثيرٌ في بلاد المُسلمين - ولله الحمد -، والحِفاظُ على العلاقات الطيبة والإيجابيَّة بين زُملاء العمل، والتعاوُن فيما بينهم، وتجنُّب تصيُّد الأخطاء وتتبُّعها، وتغليب حُسن الظنِّ.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -، وأصلِحوا واعمَلوا صالحًا، وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ[الأعراف: 56].
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم في محكم تنزيله، فقال - وهو الصادقُ في قِيلِه - قولاً كريمًا: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك سيِّدنا ونبيِّنا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك، ووفِّقه ووليَّ عهده وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، اللهم واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، اللهم انصرهم على عدوِّك وعدوِّهم.
اللهم عليك اللهم بالطغاة الظلمة في سوريا، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في القتل والطغيان، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم يا قوي يا عزيز.
اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين، اللهم عليك باليهود الغاصِبين المُحتلِّين فإنهم لا يُعجِزونك، اللهم وأنزِل بهم بأسَك الذي لا يُردُّ عن القومِ المُجرمِين، اللهم إنا ندرأُ بك في نُحورِهم، ونعوذُ بك من شُرورهم.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم إنا نستغفِرُك إنك كنتَ غفَّارًا، فأرسِل السماءَ علينا مِدرارًا، واجعَل ما أنزلتَه قوَّةً لنا على طاعتِك، وبلاغًا إلى حينٍ.
اللهم إنا خلقٌ من خلقِك، فلا تمنَع عنَّا بذنوبِنا فضلَك، اللهم واجعَل ما أنزلتَه عونًا لنا على طاعتِك، عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ[يونس: 85]، رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201].
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل: 90].
فاذكُروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، والله يعلمُ ما تصنَعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-05-2013, 10:41 AM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

غزوة أُحُد وبشائر النصر
ألقى فضيلة الشيخ صالح بن محمد آل طالب - حفظه الله - خطبة الجمعة 29 صفر 1434هـ بعنوان: "غزوة أُحُد وبشائر النصر"، والتي تحدَّث فيها عن غزوة أُحُد وبعض الوقفات والعِبَر والتأمُّلات، وبيَّن أنها ليست مجرَّد قصةٍ ذهبَت وانقضَى زمانُها؛ بل إن أحداثَها تتكرَّر في زماننا هذا وفي كل زمانٍ، وينبغي على المُسلمين التنبُّه لأحداثِها وتركِ المُخالفات لأوامر النبي - صلى الله عليه وسلم - لئلا يقَعوا فيما وقعَ فيه سلَفُهم.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلَّى الله وسلَّم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه والتابعين، ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى حقَّ التقوى، واستمسِكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقَى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ[الحديد: 28].
أيها المسلمون:
يعيشُ العالمُ اليوم أحداثًا كُبرى، وتحوُّلاتٍ تاريخيَّة هائلة، وآلامًا تضيقُ بها النفوسُ، تموجُ الأرضُ بالفتن والتحوُّلات في النُّظم وفي المُعتقَدات، في تسارُعٍ يدَعُ الحليمَ حيرانًا. فتنٌ كقطع الليل المُظلِم، ولا عاصِمَ اليوم من أمر الله إلا من رحِم. ونحن أمةُ دينٍ وأتباعُ رسالة، وفي أيدينا كتابٌ وسنةٌ.
ومعجزةُ القرآن الخالِدة: أنه نزل قبل أربعة عشر قرنًا، وخاضَ بهذه الأمة معركةً كُبرى حوَّلت تاريخَها وتاريخَ البشريَّة كلَّه معها، ومع ذلك فهو يُعايِشُ الحياة الحاضِرة وكأنَّما هو يتنزَّلُ اليوم لتوجيه المُسلمين في أحداثِهم الراهِنة، وفي صِراعهم مع الأحداث حولَهم.
أيها المسلمون:
قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (137) هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ[آل عمران: 137، 138]. إن القرآن ليربِطُ حاضِر الأمة بماضِيها، فيرسُمُ بذلك مُستقبلَها.
عباد الله:
تلكم الآيات الماضِيات نزلَت في معركة أُحُد، والتي وقعَت في شهر شوال من السنة الثالثة من الهِجرة؛ وذلك أن المُشركين أرادوا الانتقام لهزيمتِهم في بدرٍ، فحشَدوا جيشَهم ثلاثة آلاف مُقاتلٍ على أطراف المدينة، واستشار النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه، وكان يُريد التحصُّن في المدينة، لكنَّ كثيرين ألحُّوا على الخروج، فخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - في سبعمائةٍ من أصحابه بعد أن قام رأسُ المُنافِقين بتخذيل الناس والرجوع بثُلُث الجيش، فنزل النبي - صلى الله عليه وسلم - بمن بقِيَ معه عند جبل أُحُد، وجعل الرُّماةَ على مُرتفعٍ وأمرَهم ألا يبرَحوا مواقِعَهم.
ودارَت رحا المعركة، وانتصَر المُسلمون في بادِئ الأمر، حتى فرَّ المُشرِكون وسقَط لواؤُهم، واستعجلَ بعضُ الرُّماة فنزَلوا من الجبل يظنُّون الأمرَ انتهى، ثم التفَّ المُشرِكون وكرُّوا على المُسلمين من خلفِهم، فقتلُوا سبعين من خِيار الصحابة المؤمنين، وشجُّوا رأسَ النبي - صلى الله عليه وسلم - وكسَروا رباعيَّته، وأشاعُوا أنهم قتَلوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأوقعَ ذلك في قلوب المؤمنين حُزنًا عميقًا، وألمًا شديدًا، وهزيمةً وانكِسارًا.
ثم أشاعَ المُشرِكون أنهم سيقصِدون المدينةَ، فنادَى النبي - صلى الله عليه وسلم - الجرحَى والمُنهَكين المُصابِين، فاستجابُوا للنداء على ما بِهم من الجِراحات، ونفَروا لمُناجَذة العدو، وصدَقوا مع العدوِّ ولم يأبَهوا للمُخذِّلين.
وصدَرَت خلال ذلك مقالاتٌ وعبارات، ومواقِفُ وبُطولات، وانتِكاساتٌ وانكِسارات، ونزل في هذه الواقِعة قرآنٌ يُتلَى إلى يوم القيامة، ستون آيةً من سورة آل عمران ليست مجرد تأريخٍ لواقعةٍ مضَت وانتهَت، وإنما يعيشُ قارِئَها تلك الأحداث، ويرى المُسلمين ومن حولهم أعداؤُهم يتربَّصُون بهم، ويُبيِّتون لهم، ويُلقون بينهم بالفِرية والشُّبهة، ويتحاقَدون عليهم، ويجمَعون لهم، ويلقَونهم في الميدان، وينهزِمون أمامَهم، ثم يكِرُّون عليهم فيُوقِعون بهم. فما أشبهَ الليلة بالبارِحة.
أيها المؤمنون:
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (140) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ[آل عمران: 140، 141]. إن تعاقُب الشدَّة والرخَاء تكشِفُ معادِن النفوس وطبائِع القلوب، ودرجة الهلَع فيها والصبر، ومدَى الثِّقَة فيها بالله أو القُنوط.
وإن من مصلَحة الأمة أن تُصابَ برجَّاتٍ عنيفةٍ تعزِلُ الخبَثَ عنها، وقد اقتضَت حكمةُ الله أن يقعَ هذا التمحيصُ في أُحُد، مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ[آل عمران: 179].
ومُداولةُ الأيام، وتعاقُبُ الشدَّة والرخاء محكٌّ لا يُخطِئُ، وميزانٌ لا يظلِم.
وفي معركة أُحُد انكشَفَت عورةُ المُنافِقين، وظهرَ أثرُهم كما هو في كل زمانٍ، يستغِلُّون أوقاتِ الضعفِ لبلبَلَة القلوب، وخلخلَة الصُّفوف، وإشاعة الخَوَر، مع إثارة الفتن والشُّبُهات لهَدم كِيان المُجتمع المُسلم، بدءًا بعقيدته وقِيَمه، حتى يستسلِم للأقوياء الغالِبين.
وكانت آثارُ المعركة تمحيصًا للنفوس، وتمييزًا للصفوف، وتحرُّرًا من تمييع القِيَم وتأرجُح المشاعِر؛ وذلك بتميُّز المُنافِقين ووضوحِ سِماتِهم.
ولئِن نجحَ ابنُ أُبيٍّ في التأثير على ثُلُث الناس حتى رجَعوا إلى المدينة وتخلَّوا عن نُصرة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلقد صمَدَت صفوةٌ نقيَّةٌ، حمَلَت أعباءَ الدين، وأنفقَت وقاتَلَت، وصبَرَت وصابَرَت، رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا[الأحزاب: 23].
بجِهادِهم وتضحياتِهم حفِظَ الله مصيرَ الإسلام في أول الزمان، وبمثلِ بُطولتهم وثباتِهم وصبرِهم يحفظُ الله وجودَ الإسلام في آخر الزمان.
أيها المسلمون:
لقد كان الله - سبحانه وتعالى - قادرًا على أن ينصُر نبيَّه - صلى الله عليه وسلم - ودينَه وأولياءَه منذ اللحظةِ الأولى، وأن يُهلِك أعداءَهم بلا كدٍّ من المؤمنين ولا عناءٍ، ولكنَّ الله تعالى أراد تربيةَ المُسلمين ليُبتلَوا، وليقُودوا البشريَّةَ قيادةً راشِدةً على ما تحمِلُه البشريةُ من شهواتٍ ونزَواتٍ وانحرافٍ.
وهذه القيادةُ تقتضِي صلابةً في الدين، وثباتًا على الحق، وصبرًا على الشدائد، ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ[محمد: 4]. هذه سُنَّةُ الله؛ الابتلاءُ قبل التمكين.


عباد الله:
وقبل أن تمضِي الآياتُ في عرضِ المواقفِ في معركة أُحُد؛ يُذكِّرُ الله بالمعركة التي انتهَت بالنصر، وهي معركةُ بدرٍ الكُبرى، لتكون هذه أمام تلك مجالاً للمُوازَنة وتحمُّل أسباب النصر وأسباب الهَزيمة، بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ[آل عمران: 125].
بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا} إنه الصبرُ والتقوى بكل معانيها ومعالِمِها، وذلكم هو سرُّ النصر.
أيها المؤمنون:
وفي سُورة آل عمران وفي غمرة التوجيهات واللَّفَتات يُحذِّرُ الله من دسائِسِ أهل الكتاب، ولم يكن يُجاوِرُهم في المدينة إلا اليهودُ، ويُحذِّرُ الله من الرُّكون إلى الكافِرين أو طاعتِهم، ونصفُ السورة الأول يُصوِّرُ جانِبًا من جوانِبِ الصِّراع بين العقيدة الإسلامية والعقائِد المُنحرِفة، ويُحاجُّ أهلَ الكتاب ويُناظِرُهم، ويُحاوِرُهم ويردُّ شُبُهاتهم. وهو ليس جِدلاً نظريًّا فحسبُ؛ إنما هو جانِبٌ من المعركة الكبيرة الشامِلة بين المُسلمين وأعدائِهم الذين يتربَّصُون بهم، ويتحفَّزون من حولهم، ويستخدِمون في حربِهم كلَّ الأسلِحة وكلَّ الدسائِس والوسائل، وفي أولِها: زعزعةُ العقيدة، وهي ذاتُها المعركةُ التي ما تزالُ ناشِبةً إلى هذه اللحظة بين المُسلمين وأعدائِهم.
وفي ثنايا الآيات يُحذِّرُ اللهُ من الرِّبا ويأمُرُ بالتقوى والمُسارَعة إلى الجنة، وتطهير النفوس وتقوية القلوب، والسيطرة على الأهواء والشَّهوات، ويحُثُّ على الصدقة والعفو، وإشاعة الوُدِّ والتسامُح والإحسان، الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ[آل عمران: 134].
فالنفسُ لا تنتصِرُ في الحروبِ إلا حين تنتصِرُ في القِيَم والمبادِئ، والذين تولَّوا يوم التقَى الجمعَانِ في أُحُد إنما استزلَّهم الشيطانُ ببعضِ ما كسَبُوا من الذنوب، والذين انتصَروا في معارِك العقيدة وراء أنبيائِهم هم الذين بدؤُوا المعركةَ بالاستِغفار من الذنوب، والالتِجاء إلى الله، والتطهُّر من المعاصِي.
ولعلَّ ما ترتَّبَ على عِصيان الرُّماةِ لأمر الرسول القائِدِ في معركة أُحُد درسٌ عميقٌ يتعلَّمُ منه المُسلمون في كلِّ مواجهةٍ قيمةَ الطاعة، وأن الجماعةَ التي لا يحكُمُها أمرٌ واحدٌ ويغلِبُ على أفرادِها وطوائِفِها النزاعاتُ الفردية لن تنجحَ في معركةٍ، ولن تُفلِحَ في مُواجهةٍ، ما لم تتَّفِق على رغبةٍ واحِدةٍ ووِجهةٍ واحِدةٍ، وما لم تُخمِدْ كلَّ شُذوذٍ يحصُلُ في صُفُوفِها.
ولما دُهِشَ المُسلِمون للكارِثة التي قلَبَت عليهم الأمورُ قال الله لهم: أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[آل عمران: 165].
عباد الله:
إن المُؤمنين مهما أصابَهم في سبيلِ الله فإنهم لا يفقِدون صِلتَهم بربِّهم، وثِقَتَهم بوعدِه الصادقِ لجُندِه بأنهم هم الغالِبون، وأن لن يخذُلَهم؛ بل سوف ينصُرُهم ويُؤيِّدُهم ويُعلِيهم ويُظفِرُهم بأعدائِهم، ويُظهِرُهم عليهم.
ولقد تركَت معركةُ أُحُدٍ آثارًا غائِرةً في نفس النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ أُصيبَ في بدنِه إذ كُسِرَت سِنُّه، وجُرِحَ وجهُه، وشُجَّ رأسُه، فلم تزَل دماؤُه الزكِيَّةُ تسيلُ على وجهه الطاهِر حتى أُحرِقَت قطعةٌ من حصيرٍ فأُلصِقَت به، وأجهدَه العطشُ حتى جعلَ يقعُ على رُكبتَيْه، وأُصيبَ في أتباعِه؛ إذ أودعَ في سفْحِ الجبل سبعين رجلاً من أعزِّ الناس عليه وأقربِهم إلى قلبِه، وهو يقول: «أما واللهِ لوِددتُ أني غُودِرتُ مع أصحابِي بحِضن الجبل».
وأُصيبَ في أهلِه؛ حين أُخبِرَ بمقتل عمِّه حمزة، فوقفَ عليه وقد بُقِر بطنُه وجُدِعَ أنفُه ومُثِّلَ به، فكرِهَ أن ينظُرَ إليه وقال: «ما وقفتُ قطُّ موقِفًا أغيَ إليَّ من هذا».
بَيْدَ أن التسليمَ لله لم يلبَثْ أن مسحَ الأحزانَ العارِضة، وعادَ رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يتفقَّدُ أصحابَه، ويُخفِّفُ ما نزلَ بهم، ويسكُبُ من إيمانِه على نفوسِهم ما يملؤها عزاءً ورِضًا عن الله، واستِكانةً لقضائِه.
عن رِفاعة الزُّرقيِّ - رضي الله عنه - قال: لما كان يومُ أُحُد وانكفَأ المُشرِكون، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابِه: «استَوُوا حتى أُثنِيَ على ربِّي»، فصارُوا خلفَه صُفُوفًا، فقال: «اللهم لك الحمدُ كلُّه، اللهم لا قابِضَ لما بَسَطتَّ، ولا باسِطَ لما قبضتَ، ولا هادِيَ لما أضلَلتَ، ولما مُضِلَّ لمن هدَيتَ، ولا مُعطِيَ لما منَعتَ، ولا مانِعَ لما أعطَيتَ، ولا مُقرِّبَ لما باعَدتَ، ولا مُباعِدَ لما قرَّبتَ، اللهم ابسُط علينا من بركاتك ورحمتِك، وفضلِك ورِزقِك، اللهم إني أسألُك النعيمَ المُقيمَ الذي لا يحولُ ولا يزولُ، اللهم إني أسألُك النعيمَ يوم العَيْلة، والأمنَ يوم الخوف، اللهم إني عائِذٌ بك من شرِّ ما أعطيتَنا وشرِّ ما منَعتَ، اللهم حبِّب إلينا الإيمانَ وزيِّنه في قلوبِنا، وكرِّه إلينا الكُفرَ والفسوقَ والعِصيان، واجعَلنا من الراشِدين، اللهم توفَّنا مسلمين، وأحيِنا مُسلمين، وألحِقنا بالصالِحين، غير خزايا ولا مفتُونين. اللهم قاتِلِ الكفَرَة الذين يُكذِّبُون رُسُلَك، ويصُدُّون عن سبيلِك، واجعَل عليهم رِجزَك وعذابَك، اللهم قاتِلِ الكفَرَة الذين أُوتُوا الكِتاب، إلهَ الحقِّ»؛ أخرجه الإمام أحمد وغيرُه.
عباد الله:
لقد ترفَّقَ القرآنُ الكريمُ في خِطابِ المُؤمنين بعد ما أصابَهم في أُحُدٍ؛ لكي لا يتحوَّل انكِسارُهم في الميدان إلى قُنوطٍ يفُلُّ قُواهم، وحسرةٍ تشُلُّ إنتاجَهم، قال الله - عز وجل -: وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (139) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ[آل عمران: 139، 140].
فجمعَ - سبحانه - في خِطابِه لهم بين تشجيعِهم وتقويةِ نُفوسِهم، وإحياءِ عزائِمِهم وهِمَمهم، وبين حُسن التعزِيَة وذِكر الحِكَم الباهِرَة التي اقتَضَت إدالَةَ الكفار عليهم، وعزَّى اللهُ نبيَّه وأولياءَه عمَّن قُتِلَ منهم في سبيلِه أحسنَ تعزِيةٍ وألطَفَها، وأدعاها إلى الرِّضا بما قضاهُ لهم، وأخبرَهم بما نالُوه من ثوابِه وكرامَته؛ ليُنافِسُوهم فيه، ولا يحزَنوا عليهم، وأعلَمَهم أن سببَ المُصيبةِ من عند أنفُسِهم ليحذَروا، وأنها بقضائِه وقدَرِه ليُوحِّدُوا ويتَّكِلوا، ولا يخافُوا غيرَه، وسلاَّهم بما أعطاهم مما هو أجلُّ قدرًا وأعظمُ خطَرًا مما فاتَهم من النصر والغنيمةِ.
فلقد كانت حصيلةُ معركة أُحُدٍ ومن بعدها التوجيهات القُرآنية بعد الأحداث أكبرَ من حصيلةِ النصر والغَنيمة، ولقد علِمَ المُؤمنون أن الهزيمةَ حين تقَع؛ فإنها جارِيةٌ على سُنَّة الله وفقَ ما يقعُ من تقصيرٍ وتفريطٍ، وأنها تُحقِّقُ غاياتٍ يُقدِّرُها الله بحِكمته وعلمِه لتمحيصِ النفوس، وتمييز الصفوف، وتجلِيَة الحقائِق، وإقرار القِيَم، وإقامَة الموازين، وجلاء السُّنن للمُستبصِرين.
إن النصرَ لا يتوقَّفُ إلا على نُصرة ربِّ العالمين؛ فمن نصرَه اللهُ - عز وجل - فلا غالِبَ له من الناس، ولن يضُرَّه خُذلانُ الخاذِلين.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ[آل عمران: 160]. وفي كل هذا دروسٌ وعِبَرٌ للمُسلمين هذا اليوم في كل أرضٍ وتحت كلِّ سماءٍ.
بارَك الله لي ولكم في القرآن والسنة، ونفعَنا بما فيهما من الآيات والحِكمة، أقولُ قولي هذا، وأستغفر الله تعالى لي ولكم.






الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، ملِكِ يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له الملكُ الحقُّ المُبين، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الصادقُ الأمين، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها المسلمون:
لئن تكلَّف المُسلمون الأوائل عشراتٍ من الرِّجال وأشهرًا من الزمان، ليستعيدوا قوَّتَهم ويتفوَّقُوا في الوقائع اللاحِقة؛ فإن المُسلمين في هذا الزمان استنَزَفوا الملايين من أرواحِهم وعقودًا من أعمارهم، ولم يتغيَّر حالُهم، وكان الفارِقُ بينهم وبين سلَفِهم هو الفرقُ في تعلُّمهم الدروس واستِلهامِهم العِبَر.
لئِن كان المُسلِمون الأوائلُ بعد كل خسارةٍ يثُوبون لدينِهم، ويلجؤُون لربِّهم، ويُحِيطُون بنبيِّهم - صلى الله عليه وسلم -؛ فإن المُسلمين اليوم يُذادُون عن دينهم، ويُقصَون عن شريعتِهم، ويُحالُ بينهم وبين وسائل النصر ومَدَده.
ولك أن تُجيلَ بصرَكَ في كثيرٍ من بلاد المُسلمين خلال القرن الماضي بعد استِعمارهم وذهاب شوكتِهم وحتى اليوم، لقد جرَّبُوا كلَّ طريقٍ، وطرَقُوا كلَّ بابٍ، وأخَذوا من العلوم العصريَّة، وحازُوا الأسلِحةَ والعتادَ، وسالَت تحت أيديهم كُنوزُ العالَم، ونبعُ وقوده. ومع ذلك أصبَحوا ولا يسيلُ من الدماء إلا دماؤُهم، ولا تُجتاحُ إلا أراضِيهم، ولا يُقهَرُ إلا رِجالُهم. بل حتى في بلادِهم تتحكَّمُ أقلِّيَّاتُ الطوائِف في مصائِرِهم.
يا أيها المسلمون:
لهيبُ الأحداث يسُوقُكم لدينِكم، وسِياطُ المقادِير تُلجِئُكم لخالِقِكم، وفجائِعُ الدهر تُنادِيكم: أن هلُمُّوا لما عزَّ به سلَفُكم، واستقوَى به أوائلُكم.
أيها المسلمون:
راجِعوا أنفُسَكم؛ ففي الفضاء إعلامٌ وقنواتٌ لا تنتمِي لماضٍ مُحافِظٍ، ولا تُبالِي بواقعٍ مُؤلمٍ، وفي الناس غفلةٌ، والجِراحاتُ في كل وادٍ تسيلُ.
كيف يكونُ السَّرَفُ والتَّرَفُ وفي المُسلمين أوجاعٌ، وبهم جِياعٌ؟! ألم ترَوا أن الأيام دُوَلٌ، والدهرُ قُلَّب؟!
ويا أهلَنا في الشام! لكُم الله، وما لكم غيرُ الله، لقد أسلمَكم العالَمُ ليقوَى بالله تعلُّقُكم، ودانَ الشَّرْقُ تحرُّرَكم ليقوَى دينُكم، ومنَعُوكم المَدَد لتُخلِصُوا في طلبِ المَدَد من الله، اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ[الأعراف: 128].
لقد أسرفَ طاغيةُ الشام في الدمِ، وأظهرَ عداوتَه لبلده أكثرَ من أي عدوٍّ، وهو مقطوعُ السَّبَب بالله موصولُ السَّبَب بالمخذُولين من أهل الأرض، وما أظهرَه أخيرًا من استِعلاءٍ واستِقواءٍ وعدمِ مُبالاةٍ لما يحدُثُ في الشامِ لهِيَ صحوَةُ الموت، ولكأنَّ البِشاراتِ بنصر الله عمَّا قريبٍ في الشام ستعلُو، وشمسُ الخلاصِ تُشرِقُ، وتعودُ الطيورُ التي طالَت هِجرتُها، وسيفرحُ المُؤمنون بنصر الله. وإنما الشجاعةُ صبرُ ساعةٍ.
اللهم يا جبَّارُ يا مُنتقِم، اللهم عجِّل بمصارِع القوم الظالِمين، اللهم عجِّل بمصارِع القوم الظالِمين، والطُف بعبادِك المُستضعَفين من المظلومين، واشفِ صُدورَ قومٍ مُؤمنين.
إن على المُسلمين قبل كلِّ أحدٍ أن يُبادِروا لغوثِ إخوانِهم في سُوريا، وقد زادَ بلاؤُهم بالبردِ الشديدِ وقسوةِ الثُّلُوج، وجَرْفِ السُّيُول، كان الله في عونِهم.
اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وارضَ اللهم عن صحابةِ رسولِك أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الطغاةَ والملاحِدةَ والمُفسِدين، اللهم انصُر دينكَ وكتابَك وسنةَ نبيك وعبادكَ المُؤمنين.
اللهم أبرِم لهذه الأمة أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ طاعتك، ويُهدَى فيه أهلُ معصيتِك، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى عن المُنكر يا رب العالمين.
اللهم من أرادَ الإسلامَ والمسلمين بسوءٍ فأشغِله بنفسه، ورُدَّ كيدَه في نحرِهِ، واجعل دائرةَ السَّوءِ عليه يا رب العالمين.
اللهم انصُر المُجاهدِين في سبيلك في فلسطين، وفي بلاد الشام، وفي كل مكانٍ يا رب العالمين، اللهم فُكَّ حِصارَهم، وأصلِح أحوالَهم، واكبِت عدوَّهم.
اللهم حرِّر المسجدَ الأقصى من ظُلم الظالمين، وعُدوان المُحتلِّين.
اللهم أصلِح أحوالَ المسلمين في كل مكان، اللهم أصلِح أحوالَهم، واجمَعهم على الحقِّ والهدى، اللهم احقِن دماءهم، وآمِن روعاتهم، وسُدَّ خَلَّتهم، وأطعِم جائعَهم، واحفَظ أعراضَهم، واربِط على قلوبهم، وثبِّت أقدامَهم، وانصُرهم على من بغَى عليهم.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، وخُذ به للبرِّ والتقوى، اللهم أسبِغ عليه لباسَ الصحةِ والعافِية، اللهم أسبِغ عليه عافِيَتك وألبِسه لباسَ الصحةِ وأتِمَّ عليه الشفاءَ، اللهم وفِّقه ونائبَه وإخوانَهم وأعوانَهم لما فيه صلاحُ العباد والبلاد.
اللهم وفِّق وُلاةَ أمور المُسلمين لتحكيم شرعِك، واتباع سنة نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً على عبادك المُؤمنين.
اللهم انشُر الأمنَ والرخاءَ في بلادنا وبلاد المُسلمين، واكفِنا شرَّ الأشرار، وكيدَ الفُجَّار.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201]، رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ[آل عمران: 147].
اللهم اغفر ذنوبنا، واستُر عيوبَنا، ويسِّر أمورنا، وبلِّغنا فيما يُرضِيك آمالنا، اللهم اغفر لنا ولوالدِينا ووالدِيهم وأزواجنا وذُرِّياتنا، إنك سميعُ الدعاء.
اللهم إنا نسألُك رِضاك والجنةَ، ونعوذُ بك من سخَطك ومن النار.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغني ونحن الفقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا غيثًا هنيئًا مريئًا سحًّا طبَقًا مُجلِّلاً، عامًّا نافعًا غيرَ ضارٍّ، تُحيِي به البلاد، وتسقِي به العباد، وتجعلُه بلاغًا للحاضِر والبَادِ.
اللهم سُقيا رحمة، لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرق.
ربَّنا تقبَّل منا إنك أنت السميعُ العليم، وتُب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم.
سبحان ربِّك رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 03-05-2013, 10:48 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

سلوا الله العافية
ألقى فضيلة الشيخ سعود الشريم - حفظه الله - خطبة الجمعة 6 ربيع الاول 1434هـ بعنوان: "سلوا الله العافية"، والتي تحدَّث فيها عن العافية وأهميتها في حياة المسلم، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم – كان يُكثِرُ سؤالَ الله إياها؛ بل ونصحَ كثيرًا أن يُسألَ الله بها، وذكرَ بعضَ الآيات والأحاديث والآثار الدالَّة على عِظَم قدرِها وفضلِها.

الخطبة الأولى
الحمد لله ذي العزة والجلال، غافر الذنب وقابلِ التوب شديد المِحال، مانِح كلِّ غنيمةٍ وفضلٍ، كاشِفِ كل عظيمةٍ وضيقٍ، أحمده - سبحانه - على سوابغِ نعمِه وواسع كرمِه وعظيمِ آلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله أولاً وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، وأشهد أن محمدًا عبدُ الله ورسوله، أرسلَه إلى الثَّقَلَيْن الإنسِ والجنِّ بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه وسِراجًا مُنيرًا، صلَّى الله وسلَّم وبارَكَ عليه، وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى أصحابه والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصِيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله - سبحانه -، فما أنتم في هذه الدنيا إلا مأمورون مُكلَّفون، تعترِيكم البلايا وتخترمُكم المنايا، وتترادَفُ عليكم النِّعَم، فلا تنالُون منها نعمةً إلا بفِراقِ أُخرى، ولا يحيا لكم أثر إلا ماتَ لكم أثر، ولا يتجدَّدُ لكم جديد إلا ويبلَى لكم جديد. وقد مضَت أصولٌ نحن فُروعُها، فما بقاءُ فرعٍ بعد أصل، وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ[الرعد: 26].


أيها الناس:
إن البشرَ بعامَّةٍ محكومون بالجِدِّ والكَدْحِ، وقد خلقَهم الله في كبَد، «كلُّ الناس يغدُو؛ فبائعٌ نفسَه فمُعتِقُها أو مُوبِقُها».
وهم بين كادحٍ مُلتذٍّ وآخر مُتألِّمٍ، قد يضعُفُون مع المتاعِب إلى حدِّ الهَوان، وقد ينتَشُون مع المنافعِ إلى حدِّ الطُّغيان، والكيِّسُ من هؤلاء جميعًا من لا يزيغُ ولا يطغَى، ويظلُّ رابطَ الجأشِ مُتماسِكًا في حالَيْه كلتَيْهما، ويدفعُ نفسَه دفعًا إلى الوقوفِ ببابِ خالقهِ ومولاه يسألُه العفوَ والعافيةَ في دينه ودنياه وأهلِه وماله؛ لأن إيثارَ العافية فِطرةٌ فطَرَها الله في الأنفُس؛ إذ لا يحبُّ البلاءَ والأوجاعَ إلا مُختلُّ المزاج مختومُ الفؤاد.
وإنه لا يُدرِكُ قيمةَ العافية إلا من فقَدَها في دينه أو دُنياه؛ فالعافيةُ إذا دامَت جُهِلَت، وإذا فُقِدَت عُرِفَت، وثوبُ العافية من أجمل لباس الدنيا والدين، وفيهما تلذُّ الحياةُ الدنيا ويحسُن المآلُ في الأخرى.
ومن هنا كان توجيهُ المصطفى - صلى الله عليه وسلم - لأمَّته رحمةً بهم وحِرصًا عليهم، حينما قال: «سلُوا اللهَ العفوَ والعافيةَ؛ فإن أحدًا لم يُعطَ بعد اليقين خيرًا من العافية»؛ رواه أحمد.
ولم يكتفِ النبي - صلى الله عليه وسلم - بقولِه هذا لأمَّته، وإنما أردَفَ ذلك بفعلِه المُتكرِّر؛ لتشعُر أمَّتُه بقيمة هذه النعمةِ العظيمةِ، فكان - صلوات الله وسلامه عليه - يقول: «اللهم إني أسألُك العافيةَ في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألُك العفوَ والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي .. الحديث»؛ رواه أبو داود وغيره.
قال ابن الجزري - رحمه الله -: "من أُعطِيَ العافية فازَ بما يرجُوه ويُحبُّه قلبًا وقالَبًا، ودينًا ودُنيا، ووُقِيَ ما يُخافُه في الدارَيْن".
العافيةُ - عباد الله - قيمةٌ مُطلقةٌ لا تقبلُ التجزِئةَ والنسبيةَ، ولذلك يُخطِئُ من يقصُرُها على عافيةِ البدن فحسبٍ دون عافيةِ الدين؛ فمن اقتصَرَ على طلب العافية في البدن دون الدين فقد أسرفَ في الصُّدود وانحازَ عن جادَّة الصواب، ومن طلبَ العافيةَ في الدين دون البدن فقد ظلمَ نفسَه، وربما أضعفَ دينَه بضعفِ عافية دينِه، والمؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المُؤمن الضعيف.
والسعيدُ - عباد الله - كما قال ابن الجوزي - رحمه الله - هو من ذلَّ لله وسألَ العافية؛ فإنه لا تُوهَبُ العافيةُ على الإطلاق؛ إذ لا بُدَّ من بلاءٍ، ولا يزالُ العاقلُ يسألُ اللهَ العافيةَ ليتغلَّبَ على جمهور أحوالِه.
ومن عُوفِيَ فشكَرَ - عباد الله - أحبُّ إلى كل ذي لُبٍّ من أن يُبتلَى فيصبِر، كما قال أبو بكرٍ - رضي الله عنه -.
عباد الله:
يلحظُ كلُّ نبيهٍ رامقٍ بعين بصيرته اهتمامَ عموم الناس بعافية البدن؛ إذ يُعطُونَ في تحصيلِ هذه النعمة الوقتَ والجُهدَ والتذكيرَ والدعاءَ، في حين إنهم يغفُلُون عن قيمةِ العافيةِ في الدين وسلامته من الآفات والابتلاءات؛ لأن فتنَ الدين تُوهِنُ الأفرادَ الذين هم مجموعُ المُجتمعات.
ومتى ما فرَّطَ المرءُ في تحصيلِ العافيةِ في دينه فقد آذَنَ نفسَه بهلاكٍ وتيهٍ، ويشتدُّ الهلاكُ والخُسران حينما يُجاهِرُ المرءُ بما بُلِيَ به من معصيةِ ربِّه؛ فيستُرُه اللهُ ثم هو يفضحُ نفسَه. ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قد صحَّ عنه أنه قال: «كلُّ أُمَّتي مُعافَى إلا المُجاهِرين».
نُقصانُ العافية في الدين تكونُ بالانحرافِ عن شِرعةِ الله؛ إما بطُغيانِ شهوةٍ بهيميَّةٍ تردُّ صاحبَها إلى حضيضٍ أوحَد يعبُّ فيه من الشهوات كما الهِيم، أو بطُغيانِ شُبهةٍ من الدين تنحرِفُ بصاحبِها إلى مصافِّ الذين يقعُدون بكلِّ صراطٍ يُوعِدون ويصدُّون عن سبيل الله من آمنَ يبغُونَها عِوَجًا.
وقد حذَّرَنا النبي - صلى الله عليه وسلم - من خوارمِ العافيةِ في الدين؛ فقال - صلوات الله وسلامه عليه -: «ستكونُ فتنٌ القاعدُ فيها خيرٌ من القائِم، والقائِمُ فيها خيرٌ من الماشي، والماشي فيها خيرٌ من الساعي، من تشرَّفَ لها تستشرِفه»؛ رواه البخاري ومسلم.
وقد كان مما علَّمَه النبي - صلى الله عليه وسلم - الحسنَ بنَ عليٍّ - رضي الله تعالى عنهما - أن يقول في دُعائِه وقُنوتِه: «اللهم اهدِني فيمن هدَيت، وعافِني فيمن عافَيت .. الحديث»؛ رواه أحمد وأصحاب السنن.
إن من أعظم فُقدان العافية في الدين: أن يكون المرءُ مُفسِدًا لا مُصلِحًا، مُستهزِئًا لا جادًّا، مِعولَ هدمٍ لمُجتمعه لا عاملَ بناءٍ لبُرجِه المشيد، لا تجِده إلا في مظانِّ الاستِهزاءِ، أو سنِّ ما يخدُشُ الدينَ والفِطرة التي فطَرَ الله الناسَ عليها؛ ليحمِلَ وِزرَه ووِزرَ من عملَ بسُنَّته إلى يوم القيامة.
وقد جاء في السُّنَّة ما يدلُّ على نسبةِ الأحداثِ إلى مُحدِثِها، وأنه يتحمَّلُ إثمَه إلى يوم القيامة جرَّاءَ ما أوقعَ فيه غيرَه من إخلالٍ بنهجِ الله وشِرعته، فمن ذلك: قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ما من نفسٍ تُقتلُ ظُلمًا إلا كان على ابنِ آدم كِفلٌ منها؛ لأنه أولُ من سنَّ القتلَ»؛ رواه البخاري ومسلم.
ورحِمَ الله الإمامَ مالِكًا حينما أوصَى أحدَ تلاميذه، فقال: "لا تحمِلنَّ الناسَ على ظهرِك"؛ أي: لا تحمِل إثمَه بما يُحدِثُه "وما كنتَ لاعبًا به من شيءٍ فلا تلعبنَّ بدينِك".
نعم، عباد الله:
ليحذَر كلُّ من يضعُ لبِنةَ فتنةٍ أو إفسادٍ في دينٍ أو خُلُقٍ أنهم سيحمِلون أوزارَهم كاملةً يوم القيامة ومن أوزار الذين يُضِلُّونَهم بغير علمٍ.
وليحذَر كلُّ من غرَّه ما في الباطلِ من تزويقٍ وما في الفتنِ والافتِتان من رُقوشٍ؛ فالحقُّ أبلَج مهما أُسدِلَت دونَه السُّتُور، والباطلُ لَجلَج وما هو إلا كسرابٍ بقِيعةٍ يُغرِي ولا يُروِي، ولو نظرَ كلُّ ماشٍ تحت قدمَيْه لما وطِئَ شوكةً ولا عثَرَ بحُفرةٍ.
احذَر وُقِيتَ فتحت رجلِك حُفرةٌ
كم قد هوَى فيها من الإنسانِ
ومن عُوفِيَ فليحمَد اللهَ ما زلَّ من، طلبَ السلامةَ إنها للمرءِ حِصنٌ في الصُّرُوفِ العاتِية، لم يُعطَ إنسانٌ ولا ذو همَّةٍ بعد اليقين بمثلِ تلك العافية.
باركَ الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعَني وإياكم بما فيه من الآياتِ والذكرِ الحكيم، قد قلتُ ما قلتُ، إن صوابًا فمنَ الله، وإن خطأً فمن نفسي والشيطان، وأستغفر الله إنه كان غفَّارًا.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقِه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنِه، وأشهد أن محمدًا عبدُه ورسولُه الداعي إلى رضوانه.
أما بعد:
فاعلَموا - يا رعاكم الله - أن إيثارَ المرء السلامةَ والعافيةَ في دينه لا يُفهَمُ منه الرِّضا بالدَّعَة والقعود عما هو خيرٌ، وما هو واجبٌ لا يجوزُ القعودُ عنه، وإنما تُؤثَرُ السلامةُ والعافيةُ في مواطِنِ الفتنِ والرياء، وتساوِي الأمرَيْن معًا بحيث يشتبِهُ الحقُّ بغيره، فيدَعُ المرءُ ما يَريبُه إلا ما لا يَريبُه، ومن اتَّقَى الشُّبُهات فقد استبرَأَ لدينه وعِرضِه، ومن وقعَ في الشُّبُهات وقعَ في الحرام.
وقد كان الإمام أحمد - رحمه الله تعالى - يقول: "إني لأدَعُ ما لا بأسَ فيه خشيةَ الوقوعِ فيما فيه بأسٌ".
ولقد أحسنَ القاضي الجُرجاني - رحمه الله - حينما قال واصِفًا قيمةَ العافية فيما يشكُوه في زمانِه:
ولم أبتذِل في خدمةِ العلمِ مُهجَتي
لأخدِمَ من لاقيتُ لكن لأُخدَمَا
ولم أقضِ حقَّ العلمِ إن كان كُلَّما
بدَا طمَعٌ صيَّرتُه ليَ سُلَّمًا
إذا قيل: هذا منهَلٌ، قلتُ: قد أرى
ولكنَّ نفسَ الحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا
أُنهنِهُها عن بعضِ ما لا يشينُها
مخافةَ أقوالِ العِدَا فيمَ أو لِمَا
ولهذا كان من اعتقاد أهل السُّنة والجماعة في الفتنِ والخُطوبِ المُدلهِمَّة أن السلامةَ لا يعدِلُها شيءٌ، والقعودَ أسلمُ إلا إذا تبيَّن لهم الحقُّ بالأدلَّة الشرعيَّة الواضِحةِ الصريحةِ الصحيحةِ؛ فإنهم ينصُرونَه ويُؤيِّدُونَه دون تردُّدٍ.
وقد ذكرَ بعضُ أهل العلم في قصة أصحاب الكهف قولَ بعضِ المُفسِّرين: "وفي هذه القصة دليلٌ على أن من فرَّ بدينِه من الفتنِ سلَّمَه الله منها، وأن من حرِصَ على العافيةِ عافاه الله، ومن أوَى إلى الله آواه الله، وذلك حالَ استِحكام الفتنِ أيَّمَا استِحكامٍ".
وإن مما ينبغِي الحَذَرَ منه: الفهمَ الخاطِئَ لبعض القَعَدة الذين يفهمُون العافيةَ في غير موضِعِها، فيستدلُّون بقولِه - سبحانه -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[المائدة: 105]، فيظنُّون أن معناها تركُ الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، وإصلاح الناس وبيان الصحيح في الفتن. وهذا ليس هو مُراد الله في كتابه، كما قال الصدِّيقُ - رضي الله تعالى عنه -.
بل إن المعنى: أنه لا يضرُّ المرءَ ضلالُ غيره، إذا هو اهتدَى وقامَ بما أمرَ الله به تِجاهَ الآخرين؛ من دِلالتهم للحقِّ وتحذيرِهم من الباطِل؛ لأن الهدايةَ بيدِ الله، وما على المرءِ إلا البلاغ، والله الهادي إلى سَواءِ السَّبيل.
هذا وصلُّوا - رحمكم الله - على خيرِ البرية، وأزكى البشرية: محمد بن عبد الله، صاحبِ الحوض والشفاعة؛ فقد أمركم الله بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، وثنَّى بملائكته المُسبِّحة بقُدسه، وأيَّه بكم - أيها المؤمنون -، فقال - جل وعلا -: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا[الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وزِد وبارِك على عبدك ورسولك محمدٍ، وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة: أبي بكرٍ، وعُمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر صحابةِ نبيِّك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وعن التابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجودك وكرمك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، واخذُل الشركَ والمشركين، اللهم انصُر دينَكَ وكتابَكَ وسنةَ نبيِّك وعبادَكَ المؤمنين.
اللهم فرِّج همَّ المهمومين من المُسلمين، ونفِّس كربَ المكروبين، واقضِ الدَّيْن عن المدينين، واشفِ مرضانا ومرضَى المُسلمين برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا نسألُك العفوَ والعافية، اللهم إنا نسألُك العفوَ والعافية في دينِنا وأموالنا وأهلِينا يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاةَ أمورنا، واجعل ولايتنا فيمن خافك واتقاك واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تحبُّه وترضاه من الأقوال والأعمال يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح له بِطانتَه يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم انصُر إخواننا المُستضعَفين في دينهم في كل مكان، اللهم انصُرهم في كل مكان، اللهم انصُرهم على من ظلمَهم وخذَلَهم، اللهم انصُرهم على عدوِّك وعدوِّهم، اللهم اجعل شأنَ عدوِّهم في سِفال، وأمرَه في وبال، اللهم عجِّل لهم بالنصرِ والفرَج يا أرحم الراحمين، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم إنا خلقٌ من خلقِك فلا تمنَع عنا ذنوبِنا فضلَك يا ذا الجلال والإكرام.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ[البقرة: 201].
سبحان ربِّنا رب العزة عما يصفون، وسلامٌ على المرسلين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 07:12 PM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir