يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ

اهداءات ساحات وادي العلي







العودة   ساحات وادي العلي > ساحة الثقافة الإسلامية > الساحة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-01-2012, 04:39 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية العضو

مزاجي:










ابوحاتم غير متواجد حالياً

آخـر مواضيعي


ذكر

التوقيت

إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

أيام التشريق .. فضائل وأحكام
ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة 10 ذي الحجة 1433هـ بعنوان: "أيام التشريق .. فضائل وأحكام"، والتي تحدَّث فيها عن يوم النحر وأيام التشريق وما فيها من فضائل وأحكام، وذكَّر ببعض وصايا النبي - صلى الله عليه وسلم – في حجَّة الوداع، مع إشارته بتذكُّرنا إخوانًا لنا في شدَّةٍ ولأواء في عددٍ من بُلدانِ المُسلمين.

الخطبة الأولى
إن الحمد لله نحمده ونستعينُه ونستهديه ونستغفرُه، ونعذُ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هادِيَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ[آل عمران: 102].
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[النساء: 1].
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا[الأحزاب: 70، 71].



أما بعد، فيا أيها المُسلمون:
إن هذا اليوم يومٌ عظيمٌ عند الله - جل وعلا -، أعلى مكانتَه، ورفعَ قدرَه، وبيَّن فضلَه ومكانتَه في الدين، وسمَّاه: "يوم الحجِّ الأكبر"، وقد صحَّ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «أعظمُ الأيام عند الله يومُ النَّحر».
وهو من الأيام المعلومات الفاضِلة التي قال ربُّنا - جل وعلا - فيها: لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ[الحج: 28].
وفي "المسند" أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «ما من أيامٍ أعظمُ عند الله ولا أحبُّ إليه العملُ فيهنَّ من هذه الأيام - يعني: أيام العشر -، فأكثِروا فيهنَّ من التهليل والتحميد والتكبير».
ألا فلنتَّخِذ من هذا اليوم موسِمًا للتقرُّب بالطاعات، والعمل بالصالحات إلى الممات، سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ[الحديد: 21].
الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
إخوة الإسلام:
في هذا اليوم العظيمِ يتقرَّبُ المُسلِمون إلى مولاهم بإراقة الدماء؛ استِجابةً لقول المولى - جل وعلا -: فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ[الكوثر: 2].
ألا إن أهمَّ ما ينبغي أن يعلمَه المرءُ أن أبرزَ المقاصِد العُظمى لشعائر الإسلام كلِّها: إسلام الوجه لله - جل وعلا -، وتحقيقُ توحيده، والوصولُ إلى كمال محبَّته وغاية التذلُّل لله - عزَّ شأنه -، ولهذا يقول ربُّنا - جل وعلا - لنبيِّه: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (162) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ[الأنعام: 162، 163].
وفي ثنايا بيان أحكام الحجِّ وأحكام الهدايا يقول الله - جل وعلا -: وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (34) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلَاةِ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ[الحج: 34، 35]، وبذلك يصِلُ المرءُ إلى العبادة الحقيقية التي أمَرَ الله - جل وعلا - عبادَه بها، وخلقَهم من أجلِها.
يقول ابن القيِّم - رحمه الله -:
وعبادةُ الرحمن غايةُ حبِّه
معادٌ لآبِدِه هما قُطبان
وعليهما فلَكُ العبادة دائرٌ
ما دارَ حتى قامَت القُطبان
ومدارُه بالأمر أمرِ رسولِه
لا بالهوى والنفسِ والشيطان
ولهذا، فيا عباد الله:
أعظمُ حِكَم مشروعية الأضاحي: تحقيقُ توحيد الله - جل وعلا -، وتعظيمه وإجلاله والمهابة منه، لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ[الحج: 37].
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
إخوة الإسلام:
في هذه الأيام العظيمة التي يتقرَّبُ الحُجَّاجُ إلى ربِّهم في مناسِك الحجِّ المُتعدِّدة في أمنٍ وأمانٍ ورغَدٍ، ولله الحمد والمنَّة، وفي هذه الأيام التي يعيشُ أهلُ الإسلام في سائر البُلدان بالتقرُّب إلى الله - جل وعلا - بإراقة الدماء، تقرُّبًا إلى المولى - عز وجل -، فرِحين مُستبشِرين.
فإنه ينبغي أن يعلمَ كلُّ مُسلمٍ أن من الفرض اللازم على كل أحدٍ بحسب طاقته، أن يعلَم أن مسؤوليَّته عظيمةٌ عند الله - جل وعلا - في الوقوف مع إخوانٍ له في الإسلام في بُلدانٍ أصابَ المُسلمين فيها من اللأواء والضرَّاء والبلاء ما لا نشكُوه إلا إلى الله - جل وعلا -.
إخوانٌ لنا أحاطَت بهم المصائبُ في أنفسهم وأموالهم وأعراضِهم، فإن من الواجبِ على حُكَّام المُسلمين، وعلى علمائهم، وعلى مُجتمعاتهم أن يقِفوا صفًّا واحدًا لإقامة العدل، ورفع الظلمِ عن المُسلمين، فإن من قواعد الإسلام العُظمى: قول الله - جل وعلا -: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ[الحجرات: 10].
ونبيُّنا - صلى الله عليه وسلم - يقول في الحديث الصحيح: «مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَل الجسد الواحد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسد بالسهر والحُمَّى».
ويقول - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤمنُ للمُؤمن كالبُنيان يشُدُّ بعضُه بعضًا».
ألا وإن لنا إخوانًا في الشام، وفي فلسطين، وفي بورما يُصيبُهم ما يُصيبُهم من اللأواء والضرَّاء، فنسألُ اللهَ - جل وعلا - أن يُفرِّجَ كُرُباتهم، وأن يحفظَهم في أنفسهم وفي أموالهم وفي أعراضِهم، وأن يُعجِّل برفع هذه الغُمَّة عنهم، إنه على كل شيءٍ قديرٌ.
الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.
أيها المسلمون:
في مثل هذا اليوم العظيم يتذكَّرُ المُسلِمون تلك الحجَّة العظيمة حجَّة النبي - صلى الله عليه وسلم - المُسمَّاة بـ "حجَّة الوداع"، والتي قرَّر فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - أصولَ الإسلام العُظمى، وقواعدَ الدين الكُبرى.
ألا وإن مما عهِدَ به لهذه الأمة إلى يوم الدين: وصيةٌ عظيمةٌ تكفَلُ السعادةَ والحياةَ الطيبةَ، والعيشةَ الرضِيَّةَ في الدنيا وفي الآخرة، تكفَلُ لهذه الأمة - وهي تعيشُ حياة الذلِّ والهوان - تكفَلُ لهم إن أقاموا بهذه الوصيَّة، وأخذُوها بجِدٍّ وقوةٍ ونشاطٍ وهمَّةٍ وعزيمةٍ، فإنها تضمنُ لهم - بإذن الله - العِزَّةَ والكرامةَ والرِّفعةَ والسُّؤدَدَ.
ألا وهي وصيةُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في خُطبة الوداع: «ألا وإني قد تركتُ فيكم ما إن تمسَّكتُم به لن تضِلُّوا: كتابَ الله»، وبدون ذلك فستعيشُ الأمةُ في حياة الذلِّ والهوان، وسيتخطَّفُها الأعداءُ من كل جانبٍ، ولن تصِلَ إلى سعادةٍ، ولا إلى رخاءٍ، ولا إلى رغَد عيشٍ؛ بل ستعيشُ في ضنكٍ وشقاءٍ وعناءٍ.
يقول ابن عباس - رضي الله عنهما -: "تكفَّلَ الله لمن قرأَ هذا القرآنَ وعمِلَ به ألا يضِلَّ في الدنيا ولا يشقى في الآخرة، ثم قرأ قول الله - جل وعلا -: فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى[طه: 123، 124]".
بارك الله لنا في القرآن، ونفعنا بما فيه من الهدي والبيان، أقولُ هذا القولَ، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكرُ له على توفيقه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
إن الثلاثة الأيام بعد هذا اليوم المُبرَك هي أيامُ التشريق، وهي المُرادةُ بقول الله - جل وعلا -: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ[البقرة: 203]، وهي التي أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تُظهَر فيها شعائرُ الله من الذِّكرِ والشكرِ لله - جل وعلا -. يقول - صلى الله عليه وسلم - فيما رواه مسلم -: «أيامُ التشريق أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرٍ لله - جل وعلا -».
وفي "المسند": «لا تصُوموا هذه الأيام؛ فإنها أيامُ أكلٍ وشُربٍ وذِكرٍ لله - جل وعلا -».
وإن مما يُشرعُ فيها: الذِّكرُ المُطلقُ في سائر الأوقات، وكما يُشرعُ فيها أيضًا: الذِّكرُ المُقيَّد، التكبيرُ المُقيَّد بأدبار الصلوات المفروضات، وتستمرُّ هذه الشعيرةُ إلى صلاةِ العصرِمن آخر يومٍ من أيام التشريق.
فالهَجُوا بذِكر الله والحمد له والتعظيم له - عزَّ شأنه -.
ثم إن الله - جل وعلا - أمَرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاةُ والسلامُ على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على سيِّدنا وحبيبِنا محمدٍ، وارضَ اللهم عن الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، وعن الصحابةِ أجمعين، وعن الآل ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم دمِّر أعداءَ الدين، اللهم عليك بأعداء الدين فإنهم لا يُعجِزونك.
اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المسلمين، اللهم فرِّج كُربات المُسلمين في الشام وفي فلسطين وفي بُورما وفي كل مكانٍ يا حي يا قيوم، اللهم اكشِف الغُمَّةَ عن المؤمنين، اللهم اكشِف الغُمَّةَ عن المؤمنين، اللهم ولِّ على المُسلمين خيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خيارَهم، الهم واكفِهم شِرارَهم يا حي يا قيوم.
اللهم وفِّق خادمَ الحرمين أمرنا لما تُحبُّ وترضَى.
الهم احفَظ الحُجَّاج والمُعتمِرين، اللهم احفَظ حُجَّاج بيتك يا ذا الجلال والإكرام، ورُدَّهم إلى أهلِهم سالمين غانِمين يا حي يا قيوم.
اللهم اغفِر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا.
اللهم آتنا في الدنيا حسنةً، وفي الآخرة حسنةً، وقِنا عذاب النار.
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم اسقِنا يا حي يا قيوم، اللهم يا غني يا حميد مسَّنا الضرُّ وأنت أرحمُ الراحمين، اللهم فاسقِنا، اللهم فاسقِنا، اللهم فاسقِنا، اللهم اسقِ قلوبَنا بالإيمان، اللهم اسقِ جوارِحَنا بالطاعة، اللهم اسقِ أرضَنا بالمطر المِدرار يا حي يا قيوم.
عباد الله:
اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلاً.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-18-2012, 08:28 AM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

ا

لمصائبُ والأمراضُ بقَدَر الله تعالى

ألقى فضيلة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله - خطبة الجمعة 17 ذي الحجة 1433 هـ بعنوان: "المصائبُ والأمراضُ بقَدَر الله تعالى"، والتي تحدَّث فيها عن قدَر الله - جل وعلا -، وأن كلَّ ما يُصيبُ الإنسانَ إنما هو بقضاء الله وقدَره، وحذَّرَ من نهجِ سبيل المُشركين؛ إذ كانوا يتطيَّرون ويتشاءَمون، ويعتقِدون أن الأمراضَ تُعدي بطبعِها، وأن الإسلامَ أبطلَ كلَّ ذلك، وذكَّرَ بوجوب التوكُّل على الله تعالى في كل الأمور.

الخطبة الأولى

الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفُسنا وسيئات أعمالنا، من يهدِه الله لا مُضِلَّ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله، اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله تعالى وأطيعوه؛ فإن تقوى الله هي الوسيلةُ إلى خيرٍ في هذا الدار وفي دار القرار.
أيها المسلمون:
فوِّضُوا أمورَكم كلَّها إلى الله، وتوكَّلوا عليه؛ فمن توكَّل على الله كفَاه، وبلَّغَه جنَّتَه ورِضاه، واعمَلوا بالأسباب التي أرشدَ إليها الشرعُ الحكيمُ، والأسباب التي عُلِمَت باتجارب المُباحة الصحيحة، فمن حكَّمَ الشرعَ في أموره كلِّها كان من المُفلِحين، ومن أعرضَ عن كتاب الله تعالى وسُنَّة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كان من الخاسرين.

عباد الله:
إن ربَّكم - تقدَّست أسماؤه - قد كتبَ المقادير، وقضى الأمور قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، عن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - قال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «قدَّر الله المقادير قبل أن يخلُق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة»؛ رواه مسلم والترمذي.
والله تعالى يفعل ما يشاء، له القدرةُ التامَّة، والمشيئة النافِذة، والحِكمةُ البالغة، والعلمُ المُحيط، والرحمةُ العامَّة، الخلقُ خلقُه، والأمرُ كلُّه راجعٌ إليه، لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: 23].
لقد أراد الله تعالى أن تكون هذه الحياة الدنيا جامعةً بين الخير والشر، وأن يكون هذا الخيطُ المُشاهَد جارٍ على سُننٍ أوجدَها الله باقيةً إلى أجلٍ مُسمَّى.
قدَّر الله تعالى في هذا الوجود الحياةَ والموت، والمحبوب والمكروه، والخيرَ والشر، والفرحَ والسرور، والحزن والهموم، والصحةَ والمرض، والعافية والبلاء، والطاعة والمعصية، والكربَ والفرَج، والعُسر واليُسر، والكمال والنقص، والعجز والكَيس؛ ليعلمَ الخلقُ أن لهذا الكون إلهًا عظيمًا مُتَّصفًا بصفات الكمال كلِّها، مُنزَّهًا عن صفات النقص، ليعبدوه ولا يُشرِكوا به شيئًا، وليرغَبوا إليه - سبحانه - في طلب كلِّ خيرٍ في الدنيا والآخرة، وليستعيذوا بربِّهم من كل سوءٍ ليصرِفَ عنهم كلَّ شرٍّ في الدنيا والآخرة؛ فإن الربَّ - تبارك وتعالى - هو القادرُ على ذلك كلِّه، قال الله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ [يونس: 107].
ومن يتصوَّر أو يظنَّ أن هذا الكون المُشاهَد يمكنُ أن يتحقَّق فيه الخير بدون أن يُوجد شرٌّ في الوجود فقد تصوَّرَ ما لا يكون، وظنَّ ما لا يتحقَّقَ وجودُه؛ لأن هذا الكون المُشاهَد لو وُجِد فيه خيرٌ وطاعةٌ من غير وقوع شرٍّ ومكروهٍ لكان وجودًا وكونًا آخر، له سُننٌ أخرى، وأسبابٌ أخرى، والله على كل شيءٍ قدير.
وأما في الآخرة فالخيرُ الخالصُ كلُّه، والنعيمُ كلُّه في الجنة، والشرُّ كلُّه بحذافيره والعذاب بأنواعه في النار؛ فمن دخلَ الجنةَ لم يحزَن ولم يندَم على ما فاتَه من الدنيا، ولا يتحسَّر على ما أصابَه من المصائب، ومن دخلَ النار لم ينفعه ما جُمِع له في الدنيا من المسرَّات.
عن أنسٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «يُؤتَى بأنعَم أهل الدنيا من أهل النار، فيُصبَغُ في النار صبغةً ثم يُقالُ: يا ابنَ آدم! هل رأيتَ خيرًا قط، هل مرَّ بك من نعيمٍ قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ، ما مرَّ بي نعيمٌ قط. ويُؤتَى بأشدِّ الناس بُؤسًا من أهل الجنة فيُصبَغُ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابنَ آدم! هل رأيتَ بُؤسًا قط، هل مرَّ بك من شدَّةٍ قط؟ فيقول: لا والله يا ربِّ، ما مرَّ بي بُؤسٌ قط، ولا رأيتُ شدَّةً قط»؛ رواه مسلم.
ومع ما جُبِلَت عليه الدنيا من كَدَرٍ، وما قُدِّر فيها من المصائب والمكارِه، فالإيمانُ والإسلامُ ضامنٌ لصاحبِه حُسن العاقبة، وخيرَ المآل والمُنقلَب؛ بزيادة النعم، والثواب على الشكر، وبتكفير السيئات، والثواب على الصبر.
عن سلمان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «عجَبًا لأمر المُؤمن إن أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذلك لأحدٍ إلا للمُؤمن؛ إن أصابَته سرَّاءُ شكَرَ فكان خيرًا له، وإن أصابَته ضرَّاءُ صبَرَ فكان خيرًا له»؛ رواه مسلم.
والأمراضُ مما ابتُلِيَ بها العباد، والله تعالى يخلُقُها بسببٍ وبغير سببٍ، ويُعافِي من يشاءُ منها بسببٍ بغير سببٍ، قال الله تعالى: ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ (15) فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ [البروج: 15، 16]؛ فمن ابتُلِيَ بشيءٍ من ذلك فليصبِر وليحتسِب، وليتداوَ بما أباحَ الله له من الأسباب؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «تداوَوا؛ فإن الله تعالى لم يضَع داءً إلا وضعَ له دواءً، غيرَ داءٍ واحدٍ، وهو الهرَم»؛ رواه أبو داود، والترمذي من حديث أسام بن شريك - رضي الله عنه -.
وعن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله أنزلَ الداءَ والدواءَ، وجعلَ لكلِّ داءٍ دواءً، فتداوَوا ولا تداوَوا بالحرام»؛ رواه أبو داود.
والدعاءُ يرفعُ الله به مما نزلَ ومما لم ينزِل، وهو من الأسباب الجالِبة لكلِّ خيرٍ، والدافعةِ لكلِّ شرٍّ، قال الله تعالى: وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [غافر: 60].
وقد عرفَ الناسُ أمراضًا إذا شاءَ الله انتقلَت من المريض إلى الصحيح - بإذن الله -، وقد كان أهلُ الجاهلية يعتقِدون أن هذه الأمراض تُعدي بطبعِها، فتنتقِلُ بذاتِها من المريضِ إلى الصحيح، فيُعدي المريضُ الصحيحَ بالمُخالَطة والمُلاقاة لا محالَةَ، فأبطلَ اللهُ اعتقادَ أهل الجاهلية، وأخبر النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بأنه لا عدوَى، والنفيُ أبلغُ من النهي في إبطال العدوَى.
عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا عدوَى، ولا طِيَرة، ولا هامَة، ولا صَفَر»؛ رواه البخاري ومسلم.
والطِّيَرة هي التشاؤُم بمرئيٍّ أو مسموعٍ، وهي من أعمال المُشرِكين في الجاهلية؛ فقد كانوا يتشاءَمون بالطيور في اتجاه طيرانها وبأصواتها، ويتشاءَمون ببعض الأيام، وببعض الحوادث والمخلوقات التي تعرِضُ لهم، فيمنعُهم التشاؤُم والتطيُّر من المُضِيِّ في مقاصِدهم، أو يُحدِثُ لهم عزمًا وإرادةً على المُضِيِّ لحاجاتهم بالتطيُّر إذا رأوا أو سمِعوا ما يظنُّونَه مُؤثِّرًا في النجاح.
فأبطلَ الله - عز وجل - في الإسلام هذا التشاؤُم وهذا التطيُّر بجميع صُوره، فجاء الإسلامُ بالعقيدة الحقَّة والتوحيد الخالص، وأوجبَ التوكُّلَ على الله الذي بيده كلُّ شيءٍ، وعلَّقَ القلبَ بالخلق المُدبِّر.
عن الفضل بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنما الطِّيَرةُ ما أمضاكَ أو ردَّك»؛ رواه أحمد.
قال عِكرمةُ: كنا جلوسًا عند ابن عباسٍ فمرَّ طائرٌ يصيحُ، فقال رجلٌ من القوم: خيرٌ خيرٌ، فقال ابن عباس: "لا خير ولا شر"، فأنكرَ عليه؛ لئلا يعتقِدَ تأثيرَه بالخير أو الشر.
وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يُعجِبُه الفألُ - وهو الكلمةُ الطيبةُ - فيُسرُّ بذلك، ولا تُؤثِّرُ في عزمه فعلاً أو تركًا؛ لأن الفألَ فيه حُسنُ ظنٍّ بالله تعالى، وهو عملٌ صالحٌ بخلافِ سُوءِ الظنِّ فهو مُحرَّم.
والهامَة طائرٌ من طيور الليل، كانوا يتشاءمون بها إذا وقعَت على الدار، قال الرجلُ: "نعَت إليَّ نفسي!".
وكانوا يتشاءَمون بشهرِ صفرٍ، فأبطلَ الإسلامُ هذا الاعتقادَ الباطلَ كلَّه، ووجَّه القلوبَ إلى الخالق البارئِ الذي له مقاليدُ السماوات والأرض، وأوجبَ التوكُّلَ عليه، وبيَّنَ النبي - صلى الله عليه وسلم - حُكمَ الطِّيَرة.
فعن عبد الله بن مسعود مرفوعًا: «الطِّيَرةُ شِركٌ، الطِّيَرةُ شِركٌ»؛ رواه أبو داود والترمذي.
وأما العدوَى التي نفَتْها الأحاديثُ؛ فمعناها: انتقالُ المرض بطبعه وذاتِه من المريضِ إلى الصحيحِ بالمُخالَطة، كما يعتقِدُها أهلُ الجاهلية، ويقطعون بإصابة السليم بالمرض من المريض، لا يلتفِتون إلى مشيئة الله، ولا يرُدُّون الإصابةَ إلى إرادة الله.
فأبطلَ الإسلامُ هذا الاعتقادَ الجاهليَّ، وردَّ الأمورَ كلَّها إلى الله تعالى، وإلى مشيئته وإرادته، فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكُن، وقد يشاءُ الله تعالى أن يجعلَ مُخالطةَ المريض للصحيح سببًا في حدوث المرض للصحيح، وقد يشاءُ الله ألا يتضرَّرَ الصحيحُ بمُخالَطة المريض؛ فالصحةُ والمرض كلٌّ منهُما بقُدرة الله تعالى.
عن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يُعدِي شيءٌ شيئًا». فقال أعرابيٌّ: يا رسول الله! النقطةُ من الجرَب تكون بمِشفَر البعير أو بذَنَبه في الإبل العظيمة، فتجرَبُ كلُّها! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «فمن أجربَ الأوَّلَ؟! لا عدوَى ولا طِيَرة ولا هامَة، خلقَ الله كلَّ نفسٍ، وكتبَ حياتَها ومصائبَها ورزقَها»؛ رواه أحمد والترمذي.
وأما الأحاديث التي تتضمَّنُ اتقاءَ أسباب الأمراض؛ فليس في شيءٍ منها إثبات العدوَى، ولا تدلُّ على وقوع العدوَى بطبعِها، وإنما تتضمَّنُ هذه الأحاديث البُعدَ عن أسباب الشرِّ والضرَر إذا كان الإنسانُ في عافية، كما أن الإنسانَ مأمورٌ ألا يُلقِيَ نفسه في النار، ولا في السيل، ولا شُرب السُّمِّ، ولا يبيتُ على سطحٍ لا تحجيرَ عليه، إلى غير ذلك مما فيه ضررٌ مما هو منهيٌّ عنه.
فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يُورِدُ مُمرِضٌ على مُصِحّ»، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: «وفِرَّ من المجذوم كما تفِرَّ من الأسد»؛ رواه أحمد، والبخاري تعليقًا.
وعن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا سمعتُم بالطاعون في بلَدٍ فلا تُقدِموا عليه، وإذا وقعَ ببلدٍ وأنتُم فيه فلا تخرُجوا منه»؛ رواه البخاري.
فهذه الأحاديثُ وأمثالُها ليس فيها إثباتَ العدوَى بطبعِها، وإنما بقُدرة الله - تبارك وتعالى - قد يجعلُ الله - عز وجل - المُخالطَة سببًا في مرضِ الصحيح، وإنما تتضمَّنُ اتِّقاءَ أسباب الشرِّ والضرر.
وفيها: سدُّ أبواب الشيطان التي يدخلُ منها على الإنسان، فيضُرُّ عقيدتَه، ويتسخَّطُ القدرَ، فيقول: لو أني ا فعلتُ هذا لَمَا أصابَني كذا.
وأما من قوِيَ وكمُلَ توكُّلُه على الله فهو على خيرٍ في جميع أحواله، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ [الطلاق: 3].
ومن الأسباب المُباحة: التطعيمُ الذي ثبَتَت منافعُه ضدَّ بعض الأمراض، وانتفَت مضارُّه في الحال والمآل.
ومن الأسباب المُباحة: الحَجر الصحيّ، والتوكُّل على الله أكمَل؛ لحديث السبعين الذين يدخُلون الجنَّةَ بغير حسابٍ ولا عذابٍ، وهمُ الذين لا يسترقُون ولا يكتَوُون، ولا يتطيَّرون، وعلى ربِّهم يتوكَّلون.
وقد شاهَدنا نحن وغيرُنا من خالطَ من أُصيبَ بالجُدريِّ وأكلَ معَه، ومن أُصيبَ بالحَصبة - وهي من الأمراض المُعدِية - بإذن الله -، فلم يُصابُوا بشيءٍ من ذلك، وشاهَدنا في حجِّ هذا العام سلامةَ الحُجَّاج وعافيتَهم - ولله الحمد - من الأمراض الخَطيرة التي أرجَفَ بها بعضُ الناس، وسلامتهم فيما مضى من أعوام الحج وعافيتَهم، وسيُعافيهم الله - عز وجل - فيما يُستقبَل؛ فقد أدَّوا حجَّهم بطمأنينة، وسكينةٍ، ويُسرٍ، وسُهولةٍ، وأمنٍ، وإيمانٍ، وتيسُّر أرزاق، ورعاية صحيَّة، ووفور خدمات، وتحقُّق حاجات لهم من الله - تبارك وتعالى -.
فلله الحمدُ على ذلك كلِّه، ولله الحمدُ على أن جعلَ وُلاةَ أمر هذه البلاد أُمَناء على الحرمين الشريفين، يسعَون لكل ما فيه راحةُ الحُجَّاج والمُعتمِرين والزائرين، وتيسير أمورِهم، والأخذ على يدِ كل من يُريد بالحجِّ سُوءًا، وسيجِدون ذلك في صحائفهم عندما يجزِي الله المُحسنين.
ولكن قد ساءَ المُسلمينَ إساءةٌ عظيمةٌ، وشقَّ عليهم، وكدَّرَ صفوَ سُرورهم ما قامَت به فئةُ المُتسلِّلين عبرَ حُدود المملكة العربية السعودية في الشهر الحرام، فسفَكَت الدمَ الحرامَ، وأخافَت الآمِنين، وظنَّت هذه الفِئةُ أنها ستُحقِّقُ بعضَ أهدافها، ولكنَّ الله تعالى - بمنِّه وكرمِه - وقَى شرَّها، وردَّها على أعقابها خائبة.
نسألُ الله تعالى أن يُطفِئَ فتنةَ هذه الفِئة المُتسلِّلة المُعتدين، وأن يكُفَّ شرَّهم ويدحرَهم، في عافيةٍ لجُنودنا، وحفظٍ لحُدودنا، وأمنٍ للمُواطنين في الحُدود، وأن يتقبَّل المقتولين من الجنود في الشهداء؛ فإنهم قاتَلوا عن الدين، وحَوطَة الإسلام، وأن يرُدَّ المفقودين سالِمين، وأن يُحسِن عزاءَ خادمَ الحرمين ووُلاة الأمر وذوي المقتولين فيمن دافَعُوا عن حَوطَة الإسلام وماتوا.
فنسأل اللهَ - عز وجل - أنيغفِر لهم، وأن يُعيذَنا من مُضِلاَّت الفِتَن، وأن يحفظَ لنا أمنَنا واستقرارَنا، وفي هذه الساعة الُبارَكة ندعو بالعزاء والمغفرة لمن لقُوا ربَّهم يوم الأربعاء الثامن من هذا الشهر بسبب السيل. فأحسنَ اللهُ عزاءَ خادمَ الحرمين الشريفين فيهم، وأحسنَ اللهُ عزاءَ ذوِيهم وجميعَ أقربائهم، وأجارَهم في مُصيبتهم، وعوَّضَ الموتَى بحياتهم جناتِ النعيم، وأحسنَ الله عزاءَ وُلاة الأمر فيهم.
والصبرُ مركَبُ المُؤمنين، قال الله تعالى: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (22) لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ [الحديد: 22، 23].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المُرسَلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه.

[center
]الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العليُّ العظيمُ، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله الصادقُ الوعد الأمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ التقوى، وتمسَّكوا من الإسلام بالعُروة الوُثقى.
عباد الله:
بادِروا بالأعمال الصالحات، واهجُروا المُحرَّمات، يا من حجَّ بيت الله الحرام! احفَظ حجَّك من المُبطِلات، وزكِّه بالطاعات.
يا من وُفِّقتَ لصيام عرفات! لا تأتِ من القبائح ما يُوجِبُ حِرمانَك من الخيرات.
يا من قدَّم قُربان الأضحى وصلَّى مع المُسلمين! قد أصبتَ خيرًا كثيرًا، فتزوَّد ليوم الممات، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد: 33].
وعن معاذ - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اتَّقِ اللهَ حيثُما كنتَ، وأتبِعِ السيئةَ الحسنةَ تمحُها، وخالِقِ الناسَ بخُلُقٍ حسنٍ».
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
فصلُّوا وسلِّموا على سيدِ الأولين والآخرين وإمام المُرسلين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، وعن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر أصحاب نبيِّك أجمعين، وعن التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا بمنِّك وكرمِك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الكفر والكافرين يا رب العالمين، اللهم انصُر دينَك وكتابَك وسُنَّة نبيّك يا رب العالمين، يا قوي يا عزيز.
اللهم أظهِر أنوارَ السنة، اللهم أظهِر أنوارَ السنة في مكانٍ يا رب العالمين وكل زمان، اللهم أبطِل البِدعَ، وأذِلَّ أهلَها يا رب العالمين، واجعلنا ممن اتَّبعَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - بإحسانٍ، إنك على كل شيءٍ قدير.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح اللهم وُلاةَ أمورنا، اللهم ألِّف بين قلوب المُسلمين، اللهم يا رب العالمين اغفِر لنا وللمُسلمين، إنك على كل شيء قدير.
اللهم اغفِر لأمواتنا وأموات المُسلمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم انصُر به دينَك، اللهم واجمع به كلمةَ المُسلمين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير، وأصلِح له بطانتَه، اللهم أعِنه على ما تُحبُّ وترضى، وعلى ما فيه الخيرُ للإسلام والمُسلمين والبلاد والعباد، اللهم وفِّق وليَّ عهده لما تُحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك، اللهم وفِّق النائبَ الثاني لما تحبُّ وترضى، ولما فيه الخيرُ والعِزُّ للإسلام والمُسلمين.
رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة: 201].
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: 90، 91].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.
[/center]

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-18-2012, 08:38 AM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

[font="arial"

]وصايا إلى الحجاج

ألقى فضيلة الشيخ عبد البارئ بن عواض الثبيتي - حفظه الله - خطبة الجمعة 24 ذي الحجة 1433 هـ بعنوان: "وصايا إلى الحجاج"، والتي وجَّه فيها الوصايا والنصائحَ لعموم المسلمين، وخصَّ بذلك حُجَّاجَ بيت الله تعالى بضرورة المُحافظة على الطاعات، وتجنُّب المعاصي والخطيئات، واغتِنام كلِّ فرصةٍ سانحةٍ لطاعة الله والإقبال عليه، وحذَّر من الفُرقة والاختِلاف، كما بيَّن أنه حان الوقتُ لأمة الإسلام أن تقُود الأُمم كما كانت من قبلُ؛ باعتِزازها بدينها، ونشرها له في رُبوع الدنيا، والالتزام بالمنهج الصحيح المُستقيم.

الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله الذي جعلَ السعادةَ والطُّمأنينة ثمرةَ الطاعة، فلا خوفَ ولا حُزن ولا وجَل، أحمده - سبحانه - وأشكرُه على نعمِه، وأستغفِِرُه من كلِّ تقصيرٍ وزَلَل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمرَ بلُزوم الطاعة ودوامِ العمل، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه كان خيرَ الصابرين عند كلِّ أمرٍ جلَل، صلَّى الله عليه وعلى آله وصحبه صلاةً دائمةً لا يقطعُها كلَلٌ أو ملَلٌ.
أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ التقوى، وراقِبوه في السِّرِّ والنَّجوى، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
حُجَّاج بيت الله الحرام:
لقد تشرَّفَت هذه البلادُ بخِدمتكم؛ فكم سهِرَت من أعيُن، وكم بُذِلَت من جهود، وكم أُنفِقَ من أموال، نسألُ الله أن يُبارِك في جُهد المُخلِصين، ويكتُب لهم الأجرَ الجزسيلَ والثوابَ العظيمَ.
المُسلمُ في هذه الحياة ومع تجدُّد الأيام وانقِضاء الأعوام لا بُدَّ له من ذِكرٍ وتذكيرٍ، وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ [الذاريات: 55].
وأُذكِّرُ نفسي وإياكم - أيها المسلمون - بهذه الوصايا:
حُجَّاج بيت الله الحرام! الإسلامُ هو الحِصنُ الحصين، والإيمانُ هو الدِّرعُ المتين، والعِزَّةُ في ظلِّ هذا الدين، كما قال عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه -: "نحن كنا أذلَّ قومٍ، فأعزَّنا الله بالإسلام، فمهما نطلبُ العِزَّةَ بغيره أذلَّنا الله".
فالشكرُ لله على ما حبانا من نعمةِ الإسلام، والتوفيق للحجِّ إلى بيته الحرام، الشُّكرُ وإن قلَّ ثمنٌ لكلِّ نوالٍ وإن جلَّ، فإذا لم يشكُر المرءُ ربَّه فقد عرَّضَ النعمةَ للزَّوال، وأعلى مقامات الشُّكر: الاستِجابةُ لله وللرسول، والمُبادرة إلى الطاعات وفعل الخيرات؛ فإن نفسَ المُؤمن لا تستكين، وهمَّتُه لا تلين حتى ينالَ الأجرَ الجزيل، وكلما سكَنَت نفسُه أحدثَ لها نشاطًا وقال لها: يا نفسُ! أبشِري؛ فقد قرُب المنزل، ودنا اللاقِي، فلا تنقطِعي في الطريق دون الوُصول، فيُحالُ بينك وبين منازلِ الأحِبَّة.
من الطاعات التي تزيدُ الإيمان: المُبادرةُ إلى حِلَق العلمِ ومجالس العُلماء، والأمر بالمعروف والنهي عن المُنكر، وزيارة المرضَى، وإصلاح ذات البَيْن، وإماطة الأذى، واتباع الجنائز.
بمعنى: أن يغتنِمَ المُسلمُ كلَّ فرصةٍ سانِحةٍ؛ فإن الرَّجُل إذا حضَرَت له فُرصةُ القُربَى والطاعة فالحَزمُ كلُّ الحَزمِ في انتِهازِها والمُبادرة إليها؛ فإن العزائمَ والهِمَم سريعةُ الانتِقاض قلَّما ثبَتَت.
وأيُّ حرمانٍ أشدُّ من أولئك الذين تترادَفُ عليهم الفضائلُ الدينية ثم يُعرِضون عنها، ولا شيءَ أقبَحُ بالإنسان من أن يكون غافِلاً عن هذه الفضائل والعلوم والأعمال الصالِحة؟!
قال - صلى الله عليه وسلم -: «من حجَّ لله فلم يرفُث ولم يفسُق رجعَ كيوم ولدَتْه أمُّه»، وقال - صلى الله عليه وسلم - عن صيام يوم عرفة: «أحتسِبُ على الله أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَه والسنةَ التي بعده».
فيا مَن غفرَ الله ذنبَه، يا مَن تلألأت صحيفتُه طُهرًا ونقاءً! الحذرَ الحذرَ من الذنوبِ والآثام التي تُسوِّدُ الصحائِفَ وتُلوِّثُ القلوبَ، حافِظوا على صحائِفكم بيضاء نقيَّة، حصِّنوا أنفُسكم لئلبا تزِلَّ قدمٌ بعد ثُبوتها؛ فللذنوب عواقِبُ جِسام تُطفِئُ نورَ الطاعة، وتُورِثُ العبدَ وحشةً، والقلبَ ظُلمةً، سببٌ لهوان العبدِ على ربِّه؛ بل هي شُؤمٌ وذلٌّ في الدنيا والآخرة، إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ [الرعد: 11].
حرِيٌّ بالعاقلِ أن يكون مُراقِبًا لربِّه، مُحاسِبًا لنفسه، مُتدبِّرًا عاقِبَته، مُحافِظًا على الصلاة مع الجماعة، مُعلِّقًا قلبَه بالمساجِد، تالِيًا كتابَ الله.
سِمةُ المُهتدين: مُجاهدةُ النفس على هجر الهوى، وقمع الشهوات المُحرَّمة، ومن تمرَّن على دفعِ الهوى المأمونِ العواقِب تقوَّى على تركِ ما تُؤذِي عواقِبه؛ ذلك أن مُدمِني الشهوات يصيرُون إلى حالةٍ لا يلتذُّون بها وهم مع ذلك لا يستطيعون تركَها.
أيها المسلمون، حُجَّاج بيت الله الحرام:
لقد تنوَّعت في هذا العصر الشهوات، وترادَفَت الشُّبُهات، وهذا يتطلَّبُ أن يكون المُؤمنُ قويًّا في عقيدته وإيمانه وسُلوكه، قويًّا في إيمانه بالقضاء والقدَر، قويًّا في بدنه وفِكره وقلَمه، قويًّا في علمه واقتِصاده وصناعته، قال - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمنُ القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍّ خيرٌ»؛ رواه مسلم.
حُجَّاج بيت الله! في رِحاب هذا المسجد والمسجد الحرام؛ بل في كلِّ منسَكٍ من مناسِكِ الحجِّ ترى واقِعًا غيرَ مشهودٍ، فالأجسادُ تقارَبَت، والقلوبُ تآلَفَت، والشعائرُ توحَّدَت، والمشاعِرُ تهذَّبَت، إنك ترى الأمةَ الإسلاميَّةَ في أسمى معانيها، كأنهم أغصانٌ مُتشابِكة مُؤلَّفة من دوحةٍ واحدةٍ، وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ [الأنفال: 63].
فلا عُنصريَّة ولا عِرقيَّة، هذه الأُخُوَّة لا وزنَ لها إذا كانت مُجرَّد شِعارٍ يُتغنَّى به، وشكليَّاتٍ يُتجمَّلُ بها، الأخُ لا يظلِمُ أخاه ولا يُسلِمُه ولا يخذُلُه ولا يحقِرُه، يغفِرُ الزَّلَل، يسُدُّ الخلَل، يقبَلُ العِلَل.
قال إبراهيمُ النَّخَعي: "لا تقطع أخاك ولا تهجُره عند الذنب؛ فإنه يرتكِبُه اليوم ويترُكُه غدًا".
الأُخُوَّة - عباد الله - تقتضي كفالةَ الأيتام، رحمة الضعيف، إطعام الجائِع، مُواساة المريض، توقير الكبير، مُساعدة العاجز والمُعاق، الاستِجابة لصرخات المُستغيثين وتفريج كُرباتهم.
أيها المسلمون:
تغمُر المُسلِمَ الفرحةُ وهو يرى هذه الجُموعَ المُبارَكة، ثم لا تلبَثُ الفرحةُ أن تخبُو فيُصابَ بالأسَى والحُزن حين يتذكَّرُ اختلافًا مقيتًا قد نخَرَ في جسد الأمة، وفُرقةً عظيمةً قطَّعَت أواصِرَ الأُخُوَّة، فتآكَلَت بُنيتُها الداخليَّة، واقتَتَلت فيما بينها، وحوَّلَ بعضُهم الآراء إلى تحزُّبٍ فكريٍّ، أو تنطُّعٍ سياسيٍّ.
وطائفة تتعصَّبُ لمذهبها، وفتاوى أئمتها وعلمائها، ولا تقبَلُ الردَّ إلى الله ورسوله عند الاختِلاف في شيءٍ من أمور الدين، كيف تختلفُ الأمةُ ونبيُّها واحدٌ، وقِبلتُها واحِدة، وكتابُها واحِدٌ؟!
قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: "إنما أُنزِل القُرآن فقرَأناه وعلِمنا فيما أُنزِل، وإنه سيكونُ أقومٌ يقرءون القُرآنَ ولا يدرُون فيما أُنزِل، فيكون لكلِّ قومٍ فيه رأي،فإذا كان كذلك اختلَفوا"؛ أي: أنهماختلَفوا بسبب الجهل.
قال الله تعالى: وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [الأنفال: 46]، وقال تعالى: فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ [الأنفال: 1].
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «إن الشيطانَ قد أيِسَ أن يعبُد المُصلُّون في جزيرة العربِ، ولكن في التحريش بينهم»، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «لا ترجِعوا بعدي كُفَّارًا يضرِبُ بعضُكم رِقابَ بعضٍ».
ودورُنا: العملُ على وحدة الأمة ونبذِ الاختِلاف، وتعميق أواصِر العلاقة بين المُسلمين.
عباد الله:
لقد آنَ الأوانُ لأمة الإسلام أن تتسنَّمَ ذُرَى الرُّقِيِّ، فهي خيرُ أمةٍ أُخرِجَت للناس، والعالَمُ اليوم ينشُدُ مُنقِذًا، ويعيشُ فراغًا، وواجبُنا نشرُ الدين والدعوة إلى الله؛ فأمَّتُنا صاحبَةُ رسالةٍ، وحامِلةُ دعوةٍ، واجبُنا أن نُبلِّغَ دينَ الله، ونُظهِرَه بالعمل بالقُدوةِ الحسنة، والأُسوةِ الصالحةِ؛ لنُعيدَ للإسلام أمجادَه، ونُعطِّرَ تاريخَه. إن صلاحَ المُؤمن هو أبلغُ خُطبةٍ تدعُو الناسَ إلى الإيمان.
قال الأوزاعيُّ - رحمه الله -: "إن المُؤمنَ يقول قليلاً ويعملُ كثيرًا، وإن المُنافِقَ يقول كثيرًا ويعملُ قليلاً".
والناظرُ في أوضاعنا وأواع المُجتمعات الإسلامية في هذا العصر يجِدُ أن عقيدتَنا وأخلاقَنا لا تكادُ تتواءَمُ مع حياتنا العملية في بعض مناحي الحياة، والمُطابقةُ بين القول والفعل علامةُ الصِّدق، ودليلُ الإيمان، وأساسُ قَبولِ الدعوة.
ولذلك يقول الحسنُ البصريُّ - رحمه الله -: "عِظِ الناسَ بفعلِك، ولا تعِظْهم بقولِك".
بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه، والشُّكرُ له على توفيقه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه الداعِي إلى رِضوانه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وإخوانه.
أما بعد:
فاتقوا الله حقَّ تُقاته، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا [الأحزاب: 70، 71].
أما بعد:
فإن المُتأمِّلَ في بعض دِيار المُسلمين يلحَظُ أن المساجِد قد أصابَها بعضُ الهَجر، فتعطَّلَ تأثيرُها وفُقِد أثرُها، وربُّنا - تبارك وتعالى - يقول: فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [النور: 36].
نحن مُطالَبون اليوم أن نُعيدَ للمسجد رسالتَه؛ ليكون موطِنَ عبادةٍ، ومحضِنَ تربيةٍ، ومركزَ علمٍ وإصلاحٍ لغرس القِيَم ونشر الفضائل.
فعن عُقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «أفلا يغدُو أحدُكم إلى المسجدِ فيعلمَ أو يقرأَ آيتين من كتاب الله خيرٌ له من ناقتَيْن، وثلاثٌ خيرٌ له من ثلاثٍ، وأربعٌ خيرٌ له من أربع، ومن أعدادهنَّ من الإبِل»؛ رواه مسلم.
ألا وصلُّوا - عباد الله - على رسول الهدى؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه، فقال: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارِك على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
اللهم إنا نسألُك الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، اللهم إنا نسألُك رِضوانَك والجنة، ونعذُ بك من سخَطك ومن النار.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم أعِنَّا ولا تُعِن علينا، وانصُرنا ولا تنصُر علينا، وامكُر لنا ولا تمكُر علينا، واهدِنا ويسِّر الهُدى لنا، وانصُرنا على من بغَى علينا.
اللهم اجعَلنا لك ذاكِرين، لك شاكِرين، لك مُخبتين، لك أوَّاهين مُنيبين.
اللهم تقبَّل توبتَنا، واغسِل حوبتَنا، وثبِّت حُجَّتنا، وسدِّد ألسِنتَنا، واسلُل سخيمةَ قلوبنا برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم احفَظ المُسلمين في بلاد الشام، اللهم احفَظهم بحفظِك، واكلأاهم برعايتك، اللهم ألِّف بين قلوبِهم، وأصلِح ذاتَ بينهم، اللهم كُن لهم مُؤيِّدًا ونصيرًا وظهيرًا يا رب العالمين، اللهم فرِّج همَّهم، ونفِّس كربَهم، ويسِّر أمرَهم، وسدِّد رميَهم، واحفَظهم في برِّك وجوِّك يا رب العالمين، برحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم إن طاغية الشام وأعوانَه قد بلَغوا في الظلم مُنتهاه، وفي الجُرم غايتَه، اللهم شتِّت شملَهم، وفرِّق جمعَهم، واجعَل الدائرةَ عليهم يا رب العالمين.
اللهم مُنزِلَ الكتاب، مُجرِيَ السحاب، هازِمَ الأحزاب، اهزِمهم وانصُر المُسلمين عليهم، إنك على كل شيءٍ قدير، يا قوي يا عزيز، يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم إنا نسألُك يا الله بأنك أنت الواحد الأحد الصمد، اللهم يا قوي يا عزيز، اللهم إنا فُقراء إليك، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم سُقيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ يا أرحم الراحمين.
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين.
اللهم احفظ حُجَّاج بيتك الحرام، اللهم رُدَّهم إلى ديارهم سالمين غانِمين مقبُولين فرِحين مُستبشرين، اللهم اجعله حجًّا مبرورًا، وسعيًا مشكورًا، وذنبًا مغفورًا، وعملاً صالحًا مُتقبَّلاً مبرورًا يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا لما تُحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك يا رب العالمين، اللهم هيِّئ له البِطانةَ الصالحةَ الناصِحة التي تدلُّه على الخير وتُعينُه عليه، برحمتك يا أرحم الراحمين.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون.[/font]

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-18-2012, 08:45 AM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو مميز
 
الصورة الرمزية ابوحاتم
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 10
ابوحاتم is on a distinguished road


 

[font="arial"

]سعادة العبد في طاعة ربه

ألقى فضيلة الشيخ علي بن عبد الرحمن الحذيفي - حفظه الله - خطبة الجمعة 2 محرم 1434 هـ بعنوان: "سعادة العبد في طاعة ربه"، والتي تحدَّث فيها عن طاعة الله تعالى، وأنه ما شقِي بذلك أحد، ولا سعِد بمُخالفة ذلك أحد، ونبَّه إلى أن الليالي والأيام كم شهِدَت على أقوامٍ بالخير والشرِّ، وكم هلكَ أناسٌ ولم يدَّخِروا نعَمَ الله عليهم ليوم القيامة. فاعتبروا يا أولي الأبصار.

الخطبة الأولى

الحمد لله العزيز الغفار، خلق الخلقَ ودبَّرهم بقُدرته وعلمه ورحمته هو الواحد القهَّار، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له المُلك الملِكُ الجبار، يُقلِّبُ الليل والنهار، إن في ذلك لعبرةً لأولي الأبصار، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله المُصطفى المُختار، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبه الأبرار.
أما بعد:
فاتقوا الله وأطيعوه؛ فتقوى الله وقايةٌ من عقوباته، وفوزٌ بجناته، ولا تكونوا من الذين نسُوا لقاء الله، فخسِروا آخرتهم، وذهبَت دُنياهم.
عباد الله:
اعلموا أنه ما شقِي بطاعة الله أحد، وما سعِد بمعصية الله أحد، قال الله تعالى: وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ [النور: 52]، وقال تعالى: وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا [الجن: 23].
أيها الناس:
إن ربَّكم - تقدَّست أسماؤه - رحيمٌ قديرٌ، حكيمٌ عليمٌ، جعلَ لكم السمعَ والأبصارَ والأفئدةَ والجوارحَ؛ لتشكروه بالعبادة، قال الله تعالى: وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [النحل: 78].
ومن رحمته - سبحانه -: أن نصَبَ للمُكلَّفين الآيات الكونية، وأوجدَ هذه المخلوقات البديعة الصُّنع؛ ليعرِفَ الخلقُ ربَّهم - عز وجل -، ليتقرَّبوا إليه بفعل أوامره وترك نواهيه، قال الله تعالى: هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5) إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ [يونس: 5، 6]، وقال تعالى: وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (37) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [يس: 37، 38]، وقال تعالى: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا [الفرقان: 62].
قال المُفسِّرون: "جعلَهما يتعاقَبان توقيتًا لعبادة الله تعالى من العباد؛ فمن فاتَه عملٌ بالليل استدرَكَه بالنهار، ومن فاتَه عملٌ بالنهار استدرَكَه بالليل".
فالليلُ والنارُ آيتان من آيات الله، تعاقبَا على الأرض منذ خلقَ الله السماوات والأرض، وجعلَ الله فيهما منافعَ للخلق لا يُحصِيها أحدٌ إلا الله تعالى، وفيهما من العِبَر والمواعِظ ما لا يأتي عليه الحصرُ والعدُّ.
يومٌ وليلٌ يمضِيان يكون منهما الشهر، وشهرٌ مع شهر تكون منهما السنة، وسنةٌ بعد سنة تكون منهما أعمارُ الأفراد والأجيال والأمم والأحياء في هذه الدنيا، ثم يُحشَرون إلى الله فيُجازِيهم بأعمالهم؛ إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، ولا يظلم ربك أحدا.
قال الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40].
هذا الليل والنهار صحِبَا أقوامًا مضَوا، فشهِدا عليهم بسُوء أعمالهم، فهم بشرِّ المنازل، وصحِبَا أقوامًا مضَوا، فشهِدا لهم بحُسن أعمالهم، فهم بخير المنازل.
ألا من مُتذكِّر؟ ألا من مُعتبِر؟ ألا ترحمُ نفسكَ أيها الغافل؟ ألا تتوب إلى الله تعالى أيها المُتمادي؟ ألا تُقلِعُ عن المعاصِي أيها المُغترُّ بحلمِ ربِّه؟ ألا تستحِي من الله - عز وجل - الذي أنعمَ عليك بالنعم الظاهرة والباطنة، وأنت تُبارِزُه بالذنوب؟ ألا يلينُ قلبُك القاسي للمواعِظ والآيات؟ ألا تُحاسِبُ نفسكَ قبل الممات؟ ألا تعلم أن لذَّات المُحرَّمات تنقضِي وتُنسَى كأن لم تكن، وتبقى التَّبِعات؟
أما ترى كثرةَ الغادين والرَّائِحين الذين يُشيَّعون إلى رب العالمين، وأنت غدًا على النعشِ من المحمولين؟ أتظنُّ أن الله غافلٌ عما يعمل الظالمون؟!
ويا أيها المؤمن! ألا تحبُّ أن تستكثِر من الخيرات قبل أن يُحالَ بينك وبين الأعمال الصالحات؟!
إن في انقِضاء عام وإقبال عام لمواعِظ وعِبَرًا لأُولي الألباب، وآيات لأُولي الإيمان والبصائر الذين يخشَون ربَّهم ويخافون سُوءَ الحِساب.
تُذكِّرُنا السُّنون الخاليات بما أودعَ فيها الخلقُ من الأحداث والأعمال شاهدةً لهم أو عليهم؛ فالرُّسُل - عليهم الصلاة والسلام - وأتباعُهم أودَعوا هذه السنين دلائلَ الأعمال وصالحَ الأقوال والفِعال، نُصرةً لدين الله - عز وجل -، وعبادةً لرب العالمين، وهدايةً للخلق، ودعوةً إلى الله تعالى، ورحمةً بالناس، وصبرًا على الأذى في سبيل الله، ففازوا بخيرَي الدنيا والآخرة، ونجَوا من كلِّ شرٍّ.
قال الله تعالى: لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ [التوبة: 88، 89].
وأعداءُ الرُّسُل وأتباعُهم في العداوة أودَعوا السنين الخاليات الكُفرَ والمعاصِي والمُحادَّة لله ولرسله - عليهم الصلاة والسلام -، فخابُوا وخسِروا وكُبِتوا وحِيلَ بينهم وبين ما يشتهون، فلم يُمتَّعوا في الدنيا إلا قليلاً، ولم ينالوا نصيبًا في الآخرة.
قال الله تعالى: ثُمَّ أَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قُرُونًا آخَرِينَ (42) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (43) ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ [المؤمنون: 42- 44]، وقال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ [الأعراف: 40، 41].
ومن أعظم الحوادث وجلائل الأعمال: هجرةُ سيدنا محمد - صلى الله عليه وسلم - التي نذكُرها كلَّ عام، الهجرةُ من مكة إلى المدينة بأمر الله تعالى، والتي جعلَها نصرًا لنبيِّه - صلى الله عليه وسلم -، قال تعالى: إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا [التوبة: 40].
فجعلَ لله هذه الهِجرةَ فاتِحةَ نصرٍ للإسلام إلى يوم القيامة، والمُسلمُ في هذا الزمان إذ لم يُدرِك فضلَ الهِجرة، فقد فتحَ الله له بابَ هجرةٍ أخرى، فيها عظيمُ الأجور والثواب، فقد يسَّر الله تعالى للمُسلم في هذا الزمان وما بعده أن يُهاجِرَ بقلبه إلى الله من الشركِ كلِّه إلى التوحيد، ومن المعصية إلى الطاعة، ومن المُعوِّقات عن عبادة الله إلى الاجتهاد في العبادة، ومن البِدع إلى التمسُّك بسنة رسوله الله - صلى الله عليه وسلم -، ومن الهوى إلى ما يحبُّ الله ورسولُه - عليه الصلاة والسلام -.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «العبادةُ في الهَرجِ - أي: في الفتن - كهِجرةٍ إليَّ»؛ رواه مسلم.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «المُسلِمُ من سلِمَ المُسلِمون من لسانه ويدِه، والمُهاجِرُ من هجرَ ما حرَّم الله».
والآياتُ القرآنيةُ هي التي تهدي القلوب، وتُنيرُ البصائر، وتُصلِحُ الإنسان، وترفعُ اهتماماته، وتُنظِّمُ حياتَه، وتُغذِّي إيمانَه، وتُقيمُه على الصراط المُستقيم.
والاعتبارُ والانتفاعُ بالآيات الكونية مع العمل بالآيات القُرآنية يبلغُ به الإنسانُ درجةَ الكمال والفضائل، ويتطهَّرُ من الرذائل، قال الله تعالى: إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ [الإسراء: 9].
ولكنَّ القرآن الكريم لا ينفعُ إلا من تدبَّرَه وفهِمَه على فهم السَّلَف الصالح من الصحابة والتابعين لهم بإحسانٍ؛ فالقُرآنُ حُجَّةُ الله على الناس أجمعين، قال الله تعالى: تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ [الجاثية: 6].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، ونفعنا بهدي سيد المُرسَلين وقوله القويم، أقول قولي هذا وأستغفرُ الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله رب العالمين، وليِّ المُتقين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له إلهُ الأولين والآخرين، وأشهد أن نبيَّنا وسيدَنا محمدًا عبده ورسوله الأمين، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولِك محمدٍ، وعلى آله وصحبِه أجمعين.
أما بعد:
فاتقوا الله وأطيعوه.
عباد الله:
اعملوا لحياتكم الأُخروية؛ فهي الحياةُ حقًّا، قال الله تعالى: وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (22) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (23) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (24) فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّبُ عَذَابَهُ أَحَدٌ (25) وَلَا يُوثِقُ وَثَاقَهُ أَحَدٌ (26) يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي [الفجر: 22- 30].
واحفَظوا وصيَّةَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجَّة الوداع؛ حيث قال: «أيها الناس؛ اتقوا الله»، وفي رواية أحمد: «اعبُدوا الله، وصلُّوا خمسَكم، وصُوموا شهرَكم، وأدُّوا زكاةَ أموالكم»، وفي "مسند بقيّ بن مخلد": «وحجُّوا بيتَكم، وأطيعوا ذا أمرِكم، تدخُلوا جنَّةَ ربكم»؛ رواه أحمد، والترمذي واللفظُ له.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما - يرفعُه: «اغتنِم خمسًا قبل خمسٍ: شبابَك قبل هرمك، وغِناك قبل فقرك، وصحَّتك قبل سُقمك، وفراغَك قبل شُغلك، وحياتَك قبل موتِك».


عباد الله:
إن اللهَ أمرَكم بأمرٍ بدأ فيه بنفسه، فقال - جلَّ من قائل -: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56]، وقد قال - صلى الله عليه وسلم -: «من صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا».
فصلُّوا وسلِّموا على سيدِ الأولين والآخرين وإمام المُرسلين، اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى آل محمد، كما صلَّيتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، اللهم بارِك على محمدٍ وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيد، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.
اللهم صلِّ على محمدٍ وعلى أزواجه وذريَّته صلاةً وسلامًا كثيرًا، اللهم وارضَ عن الصحابة أجمعين، اللهم وارضَ عن الخلفاء الراشدين، الأئمة المهديين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن سائر الصحابة أجمعين، وعن التابعين ومن تبِعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، اللهم وارضَ عنَّا معهم بمنِّك وكرمِك ورحمتك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمُشركين يا رب العالمين، اللهم دمِّر أعداءَك أعداء الدين، اللهم دمِّر أعداءَك أعداء الدين يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.
اللهم انصُر دينَك وكتابَك وسُنَّة نبيّك يا رب العالمين.
اللهم يسِّر أمورَنا، اللهم يسِّر أمورَنا، واشرَح صُدورَنا، وأعِذنا من شُرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، وأعِذنا من شرِّ كل ذي شرٍّ يا رب العالمين، إنك على كل شيء قدير.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، اللهم أصلِح ولاةَ أمورنا، واجعل بلادَنا آمنةً مُطمئنَّة، وسائرَ بلاد المُسلمين يا رب العالمين.
اللهم وفِّق خادمَ الحرمين الشريفين لما تحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك، اللهم أعِنه على كل خيرٍ لشعبه ولوطنه وللمُسلمين يا رب العالمين.
اللهم اغفر لنا ما قدَّمنا وما أخَّرنا، وما أسرَرنا وما أعلنَّا، وما أنت أعلمُ به منَّا، أنت المُقدِّم وأنت المُؤخِّرُ، لا إله إلا أنت.
اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا يا رب العالمين، اللهم أنت أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألُك بقُدرتك على كل شيء، وبرحمتك التي وسِعَت كلَّ شيء، وبعلمِك الذي أحاطَ بكل شيء، نسألُك اللهم أن ترحمَنا، اللهم أنزِل علينا اليثَ ولا تجعلنا من القانِطين.
اللهم اغفِر لموتانا وموتى المُسلمين يا رب العالمين، اللهم اغفِر لموتانا وموتى المُسلمين إنك على كل شيء قدير.
اللهم إنا نعوذُ بك من زوال نعمتك، وفُجاءة نقمتِك، وتحوُّل عافيتك، وجميع سخطِك.
اللهم إنا نعوذُ بك من سوء القضلاء، وشماتة الأعداء، ومن درَك الشقاء، ومن جهد البلاء.
نسألُك اللهم الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، ونعوذُ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ أو عملٍ.
اللهم أعِذنا وذريَّاتنا من إبليس وذريَّته وجنوده يا رب العالمين، اللهم أعِذ المُسلمين وذريَّاتهم من الشيطان لرجيم وذريَّته.
عباد الله:
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ [النحل: 90، 91].
واذكروا الله العظيم الجليل يذكركم، واشكروه على نعمه يزِدكم، ولذكر الله أكبر، والله يعلم ما تصنعون.[/font]

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-24-2012, 09:31 AM   رقم المشاركة : 5

 

عِبرةٌ من قصة موسى - عليه السلام - وفرعون

ألقى فضيلة الشيخ عبد البارئ بن عواض الثبيتي - حفظه الله - خطبة الجمعة 9 محرم 1434هـ بعنوان: "عِبرةٌ من قصة موسى - عليه السلام - وفرعون"، والتي تحدَّث فيها أن قصصَ الأنبياء فيها العِبرةُ والعِظة، وأنها زادُ الطريق، وتُثبِّتُ المؤمنين، وذكرَ من هذه القصص: قصةَ إنجاء الله لموسى – عليه السلام – ومن معه، وإهلاك فرعون وجنوده، وبيَّن بعضَ الدروس المُستفادة منها، وذكَّر بما وردَ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من الحثِّ على صيام هذا اليوم الذي نجَّى الله فيه موسى وقومَه، وبيَّن عِظَم فضله.


الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله الذي أنعمَ علينا بنعمٍ نتقلَّبُ فيها ليلَ نهار، أحمده - سبحانه - وأشكرُه على فضلِه وخيرِه المِدرار، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العزيزُ الجبَّار، القويُّ القهَّار، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم عددَ الحُجَّاج والعُمَّار، وما تساقطَ من ورق الأشجار.
أما بعد:
فأوصِيكم ونفسي بتقوى الله، قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران: 102].
في قصص الأنبياء عِبرةٌ وعِظة، هي زادٌ في الطريق، وتُثبِّتُ المُؤمنين، وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ [هود: 120].
وقصةُ موسى - عليه السلام - أطولُ قصص القرآن، وتتميَّز بتنوُّع مشاهِدها، وكثرة عرضِها.
وُلِد موسى - عليه السلام - والرُّعبُ يملأُ الأجواءَ، والأمةُ مُستضعفةٌ مُشتَّتةٌ، يسومُهم فرعونُ سُوءَ العذاب؛ يُذبِّحُ أبناءَهم، ويستحيِي نساءَهم، ويقتلُ كلَّ مولودٍ ذكَرٍ، حِفاظًا على سُلطانه. فأذلَّ أمَّتَه، وقهرَ قومَه ليبقَى حُكمُه، ويدومَ عرشُه، ويبنِيَ مُلكَه على جماجِم الأطفال، وأشلاء أجسادِهم، وحمَّامات الدماء.
هؤلاء طُغاةٌ نُزِعت الرحمةُ من قلوبهم، وانسلَخوا من مشاعِرهم الإنسانية، فحقَّت عليهم كلمةُ الله بزوال حُكمهم، وسُوء عاقبَتهم، ولا كرامةَ لهم بشرًا يمشون على الأرض، وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ [القصص: 7].
وهناك تملَّكُك الدهشةُ، ويحتضِنُك العجَب، الأمُّ خائفة، وتخشى أن يصِلَ نبؤُه إلى فرعون وقومِه فيقتلوه، ويُلهِمُها الله أن تُلقِيَه في اليمِّ، اليمُّ بأمر الله غدا ملجأً آمنًا، احتضنَ الطفلَ الرَّضِيعَ، وحماه من كلِّ سُوءٍ.
وتتوالَى الأحداثُ العجيبة؛ لتُبرِزَ للأمة ضآلةَ مكر الطغيان، وحقارةَ كيده، مهما صالَ وجالَ، أمام قُدرة الله وعظمته يقتلُ فرعونُ أطفالَ بني إسرائيل حتى لا يرى موسى نورَ الحياة، وتسوقُ الأمواجُ موسى الرَّضيعَ حتى تسكُن أمام قصر فرعون، ويقذِفُ الله محبَّتَه في قلب امرأة فرعون، لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا [القصص: 9].
ويُسخِّرُ الله فرعون؛ ليتربَّى موسى على فراشِه ومائدتِه، وهل يجرُؤُ مخلوقٌ أن يمسَّ بسُوءٍ من أراد اللهُ له السلامةَ والنجاةَ؟!
جاؤوا لموسى بالمراضِع، فعافَهنَّ، وتقدَّمَت أختُه تعرِضُ أن تأتي لهم بمُرضِعةٍ، فقبِلُوا، فجاءَت بأمِّه، فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ [القصص: 13].
هذا وعدُ الله، ووعدُ الله لا يتخلَّف، ويبقَى أن نزرعَ اليقينَ في نُفوسِنا بأنَّ من تعلَّقَ بخالقه وتوكَّلَ عليه مع الأخذ بالأسباب فإنه لا ييأسُ من روح الله، ولا يخنَعُ لوساوسِ الوهَن، ولا يتشاءَمُ مع الأحداث؛ بل تزيدُه الشدائدُ قوَّةً وعزيمةً وأملاً.
أمرَ اللهُ موسى أن يذهبَ إلى فرعون: اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى [طه: 24]، وهي مهمةٌ شاقَّةٌ، فقد ادَّعى فرعونُ الألوهيَّة، وبلغَ الغايةَ في البغي والغُرور.
وهنا يُسجِّل نبيُّ الله موسى - عليه السلام - درسًا منهجيًّا للدعوة والدُّعاة، وهو: أنه بدأ المهمة بتجرُّده من حولِه، والانخِلاع من قوَّتِه، والاطِّراحِ بي يدَي الله، مُسبِّحًا ربَّه كثيرًا، ذاكرًا اللهَ كثيرًا. فهذا زادُه وزادُ كلِّ داعيةٍ ومُربٍّ، قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (25) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي (26) وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (27) يَفْقَهُوا قَوْلِي (28) وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (29) هَارُونَ أَخِي (30) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (31) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (32) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (33) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا [طه: 25- 34].
قال الله تعالى: اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (43) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى [طه: 43، 44].
قال قتادة: "يا ربِّ! إن كان هذا حلمُك برجلٍ قال: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص: 38]؛ فكيف سيكونُ حِلمُك بعبدٍ سجَدَ لك وقال: سبحان ربي الأعلى".
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا وصيةُ الله لموسى في خُطوته الأولى في الدعوة؛ القولُ الليِّنُ، فاللغةُ الهادِئة، وبيانُ الحق، ومُقارعةُ الحُجَّة بالحُجَّة، والحوارُ الهادئ أدبُ الدين وهديُ المُرسَلين. أما القولُ الفظُّ الغليظُ، والسِّبابُ والتقريعُ، والصُّراخُ والتجريحُ فإنه يُنفِّرُ من الدين، ويُشوِّهُ حقائقَه وسماحتَه، كما أن اللِّينَ لا يعني تمييعَ أحكام الدين ولَيَّ عنقِ أصولِه، وتذويبَ حقائقه ومنهجه بحُجَّة إرضاء الآخرين وكسبِهم.
فرعونُ يُحذِّرُ من موسى، ويجمعُ السَّحَرة في مناظرةٍ علنيَّةٍ لإسقاطِ موسى أمام الرأي العام، توطِئةً لإقصائِه وقتلِه، فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى [طه: 60].
حضرَ السَّحرةُ ميدانَ المُناظرة، مُتآمرين على موسى، مُعتمِدين على عزَّة فرعون، وفي هذا الحشد المَهيب يُوصِي ربُّ موسى موسَى - عليه السلام -: لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى [طه: 68]، لا تخَف؛ لأنك الأعلى الأعزُّ الأكرَم، الأعلى منهجًا، والأكرمُ خُلُقًا، والأعزُّ عقيدةً.
وهذه رسالةٌ لبعض بني جِلدتنا ممن تسرَّبَت إلى نفوسِهم الهزيمةُ النفسية، وتزعزَعَت مفاهيمُهم، وتخلخَلَت مواقِفُهم حين رأَوا انتِفاشةَ الباطل وزُهُوَّ الضلال.
ويُريدُ فرعون أمرًا، ويُريدُ اللهُ أمرًا، ويظهرُ أمرُ الله، اجتمعوا السَّحَرة فرأوا آيات الله ومُعجِزاته الخالِدة، فجاءت المُفاجأةُ الكُبرى: وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ [الأعراف: 120- 122].
تمكَّن الإيمانُ من قلوبِهم فأشرقَ فيها، وانتصرَت العقيدةُ في حياتهم فعزَّت فيها، حضرَ القومُ الميدانَ سحرةً، فتحوَّلوا في لحظاتٍ شُهداءَ بَرَرة، وها هُم يرفَعون أصواتَهم بالقوة والتحدِّي بعد تهديد فرعون: فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا [طه: 72].
لقد غدَا فرعونُ في نظرهم قَزَمًا؛ لأنه لا يملِكُ ضرًّا ولا نفعًا، ولا يملِكُ موتًا ولا حياةً ولا نُشورًا، كان همُّهم الدنيا، فصارَ تطلُّعهم مرضاةَ الله والآخرة، وأعلَنوا بقلوبٍ مُؤمنة توبةً صادقةً، داعِينَ ربَّهم المغفرةَ والرِّضوانَ. لقد حوَّلَ الإيمانُ الصادقُ السَّحرةَ إلى مؤمنين؛ بل دُعاةً إلى الدين، يدعُون الناسَ إلى الهُدى والنور، إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (74) وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى [طه: 74، 75].
وهذا ليس غريبًا؛ فالقلبُ حين يتذوَّقُ حلاوةَ الإيمان ولذَّتَه يتمنَّى أن يطعمَ غيرُه هذه اللذَّةَ والحلاوةَ، وقد حوَى تأريخُنا قصصَ أممٍ وأفرادٍ كانوا يُحارِبون الإسلام، فجعلَهم الإيمانُ قِممًا في الدين، وأُسُودًا تُدافِعُ عن حِياضِه، وترعَى مصالِحَه.
وسجَّلَ واقِعَنا المُعاصِرُ نماذجَ تُحتذَى لأقوامٍ كانوا أئمةَ ضلالٍ في ترويجِ المُخدِّرات، ونهبِ الأموال، وانحِرافِ الأفكار، فحوَّلَهم الإيمانُ أئمةَ هُدًى ونماذِجَ تُقًى.
ولما وصلَ الاستِكبارُ غايتَه اقتربَت لحظاتُ النصر؛ ففي اليوم العاشِرِ من شهر الله المُحرَّم أنجَى اللهُ موسى ومن معه، وأغرقَ فرعونَ وملأَه، ولما رأى فرعونُ الهلاكَ وأدركَه قال: آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ [يونس: 90]، وهيهَات آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ [يونس: 91]، ويأتي الحُكمُ من الله: فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً [يونس: 92] آيةً للطُّغاة والمُفسِدين، وآيةً للذين يقتلونَ شُعوبَهم، ويسفِكون دماءَهم، وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ .
وفي هذا اليوم - يوم عاشوراء - الموافق ليوم غدٍ السبت يقول رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «صيامُ يوم عاشوراء أحتسِبُ على الله أن يُكفِّرَ السنةَ التي قبلَه»؛ رواه مسلم.
بارك الله ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشُّكرُ له على توفيقه وامتِنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
أما بعد:
فأوصِيكم ونفسي بتقوى الله؛ فهي خيرُ زادٍ.
أيها المسلمون:
كان من تعظيم موسى - عليه السلام - للأرضِ المُقدَّسة وبيت المقدِس: أن سألَ اللهَ - تبارك وتعالى - عند الموت أن يُدنِيَه منها؛ روى البخاري في "صحيحه" مرفوعًا: «.. فسألَ اللهَ أن يُدنِيَه من الأرض المُقدَّسة رميةً بحجَر»، قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «فلو كنتُ ثمَّ لأرَيتُكم قبرَه إلى جانبِ الطريقِ عند الكَثيبِ الأحمر».
وإن القلبَ ليعتصِرُ ألمًا، ويشتدُّ حُزنًا ونحن نرى الصَّهايِنةَ المُعتدِين يعيثُون فسادًا في بيت المقدِس، ويقذِفون حِمَم البارُودِ والمدافِعِ على شعبٍ أعزلَ في غزَّة. هذا العُدوان الغاشِم الذي قُتِلَ فيه الأطفالُ والنساءُ، ودُمِّرَت المُمتلكات يُبدِي الصورةَ الهمجيَّة للمُعتدين، وحِقدَهم الدَّفين، وأنهم لا يحترِمون العُهودَ والمواثِيق.
هذا العُدوان لا يقبَلُه مسلمٌ، ولا يرتَضِيه حرٌّ عاقلٌ، واستِمرارُه أو استِئنافُه بعد الهُدنة امتِهانٌ لكرامةِ المُسلمين.
وحمايةُ أبناء الشعبِ الفلسطينيِّ مسؤوليةٌ جماعيَّةٌ تقعُ على عاتقِ المُسلمين جميعًا، ونحن مُطالَبون باتِّخاذ خُطواتٍ جادَّةٍ وفعَّالةٍ لرفع الظلمِ ووقفِ نزيفِ الدمِ أبدًا.
ومع أن غزَّةَ قد نسجَت قصصَ العِزَّة؛ فإن هذا الظلمَ لن يدُومَ مهما طالَ ليلُه، فقد اشتدَّ مُلكُ فرعون وظُلمُه فعاقبَه الله وأغرقَه وقضَى عليه، وحينئذٍ يعودُ الحقُّ إلى أهلِه، قال الله تعالى: وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ [القصص: 5، 6].
ألا وصلُّوا - عباد الله - على رسول الهدى؛ فقد أمركم الله بذلك في كتابه.
اللهم صلِّ على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما صلَّيتَ على آل إبراهيم، وبارِك على محمدٍ وأزواجه وذريَّته، كما باركتَ على آل إبراهيم، إنك حميدٌ مجيدٌ.
وارضَ اللهم عن خلفائه الأربعة الراشدين: أبي بكرٍ، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الآلِ والصَّحبِ الكِرام، وعنَّا معهم بعفوِك وكرمِك وإحسانِك يا أرحم الراحمين.
اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، اللهم أعِزَّ الإسلامَ والمسلمين، وأذِلَّ الكفرَ والكافرين، ودمِّر اللهم أعداءَك أعداء الدين، واجعل اللهم هذا البلدَ آمنًا مُطمئنًّا وسائرَ بلاد المُسلمين.
اللهم من أرادَنا وأرادَ الإسلامَ والمُسلمين بسُوءٍ فأشغِله بنفسه، واجعَل تدبيرَه تدميرَه يا سميع الدعاء.
اللهم احفَظ المُسلمين في كل مكان، اللهم احفَظ المُسلمين في بلاد الشام، وانصُرهم على عدوِّهم وعدوِّك يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألُك الجنةَ وما قرَّبَ إليها من قولٍ وعملٍ، ونعوذُ بك من النار وما قرَّب إليها من قولٍ وعملٍ.
اللهم أصلِح لنا دينَنا الذي هو عصمةُ أمرنا، وأصلِح لنا دُنيانا التي فيها معاشُنا، وأصلِح لنا آخرتَنا التي إليها معادُنا، واجعل الحياةَ زيادةً لنا في كل خيرٍ، والموتَ راحةً لنا من كل شرٍّ يا رب العالمين.
اللهم إنا نسألُك الهُدى والتُّقَى والعفافَ والغِنى، اللهم أعِنَّا ولا تُعِن علينا، وانصُرنا ولا تنصُر علينا، وامكُر لنا ولا تمكُر علينا، واهدِنا ويسِّر الهُدى لنا، وانصُرنا على من بغَى علينا.
اللهم اجعَلنا لك ذاكِرين، لك شاكِرين، لك مُخبتين، لك أوَّاهين مُنيبين.
اللهم تقبَّل توبتَنا، واغسِل حوبتَنا، وثبِّت حُجَّتنا، وسدِّد ألسِنتَنا، واسلُل سخيمةَ قلوبنا.
اللهم اغفِر للمُسلمين والمُسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات، اللهم ألِّف بين قلوبِ المُسلمين ووحِّد صُفوفَهم، واجمع كلمتَهم على الحقِّ يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا لما تُحبُّ وترضى، اللهم وفِّقه لهُداك، واجعل عملَه في رِضاك، ومُنَّ عليه بالصحة والعافية يا أرحم الراحمين.
اللهم وفِّق جميعَ وُلاة أمور المُسلمين للعمل بكتابك، وتحكيم شرعِك يا رب العالمين.
اللهم أنت الله لا إله إلا أنت، أنت الغنيُّ ونحن الفُقراء، أنزِل علينا الغيثَ ولا تجعَلنا من القانِطين، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم أغِثنا، اللهم سُقيا رحمةٍ لا سُقيا عذابٍ ولا بلاءٍ ولا هدمٍ ولا غرقٍ، اللهم تُحيِي به البلادَ، وتُفيدُ به العبادَ، وتجعلُه بلاغًا للحاضر والباد برحمتك يا أرحم الراحمين.
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: 90].
فاذكروا اللهَ يذكُركم، واشكُروه على نعمِه يزِدكم، ولذِكرُ الله أكبر، واللهُ يعلمُ ما تصنَعون.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-02-2012, 09:09 AM   رقم المشاركة : 6

 

الشائعات وأثرها السيئ على الأمة

ألقى فضيلة الشيخ صالح بن عبد الله بن حميد - حفظه الله - خطبة الجمعة 16 محرم 1434هـ بعنوان: "الشائعات وأثرها السيئ على الأمة"، والتي تحدَّث فيها عن الشائعات وما تُسبِّبُه من آثارٍ سيئة وعواقِبَ وخيمةٍ في عضُد الأمة الإسلامية، مُتمثِّلةٍ في مقالاتٍ وتغريداتٍ، في مواقع وشبكاتٍ ومُنتدياتٍ، ومُراسلاتٍ بين فِتيانٍ وفَتياتٍ، وحذَّرَ من نقلِ الأخبار دون توثُّقٍ من مصدرِها ومدى نفعِها أو ضررِها، ونبَّه على خطورة المِساس بأصول الدين وثوابته عبرَ هذه التِّقنيَّات.

الخطبة الأولى

الحمد لله، الحمد لله ذي العزِّ القاهِر، والسلطان الظاهر، سبحانه عزَّ مجدُه، وعلا سلطانُه، علِمَ فستَر، وقدَّر فغفَر، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه، أسبغَ النعمة، وأجزلَ المنَّة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادةً تقودُ إلى رِضوانه والجنَّة، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسوله أفضلُ خلق الله وأهداهم إليه سبيلاً، وأدلُّهم عليه طريقًا، صلَّى الله وسلَم وبارَك عليه وعلى آله السادة الأبرار، وأصحابه الميامين الأخيار، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما تعاقَبَ الليلُ والنهار، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فأُوصيكم - أيها الناس - ونفسي بتقوى الله، فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فالكيِّسُ من دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعد الموت، والعاجِزُ من أتبَعَ نفسَه هواها وتمنَّى على الله الأماني.
في مُرور الأعوام تصرُّم الأعمار، فما أسرعَ انقِضاء الليالي والأيام، فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ [الحجر: 92، 93]. جعلَنا الله وإياكم ممن طالَ عُمرُه، وحسُنَ عملُه، وغُفِر ذنبُه، وثقُلَ ميزانُه.
أيها المسلمون:
وإن من أعظم ما يستوقِفُ الناظِر، ويبعثُ على المُحاسَبة الجادَّة: قولُ نبيِّنا - صلى الله عليه وسلم - كما في الحديث الصحيح: «كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع»؛ رواه مسلم من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -. إنها المُحاسبةُ الجادَّة، والفحصُ الدقيق.
معاشر المسلمين:
للكلمة أثرُها، وللصورة مفعولُها في أي وسيلةٍ، في خُطبةٍ أو مقالةٍ، أو مُحاضرةٍ أو تغريدةٍ، من خطيبٍ أو مُتحدِّث، أو كاتبٍ أو داعيةٍ، أو مُعلِّقٍ أو مُتابِعٍ، وفي أي وسيلةٍ من وسائل الإعلام والتواصُل.
وفي هذا الزمن بتِقنِيَّاته واتصالاته، وتدويناته وتغريداته، ومواقعه وشبكاته، وإعلامه وقنواته، ومواقعه وتدويناته وسيلتُها كلُّها: الكلمةُ والصورةُ؛ فويلٌ للمُتهاوِنين من المُغرِّدين والمُتابِعين!
كم هي العواقِبُ التي تُكلِّفُ الكثيرَ والكثيرَ من الأنفُس والأموال والجهود؟!
معاشر الأحِبَّة:
إن تهاوُن الناس - ولا سيَّما الفِتيان والفَتيات - مما ينعتُونَه بالثَّرثَرة الجماعيَّة من خلال المجامِيع التي يُنظِّمُونها أو ينتظِمون فيها في هواتِفهم وأجهزتهم؛ بل يتسارَعون لإحراز قصَب السَّبْق في نشر المعلومات أو تلقِّيها، بقطع النَّظر عن صحَّتِها أو دقَّتِها أو خطرِها، بل الخطرُ فيما تؤولُ إليها من نتائج خطيرة على الدين والعقيدة، وعلى البلاد وأهلها، وعلى الأمن والاستِقرار،مما ينشرُ الإرباك والاضطِراب، بل اخوفَ والإرهابَ.
ويزدادُ الخطرُ والخوفُ وسوءُ العواقِب حين لا تُعرفُ مصادرُ هذه الأخبار والإشاعات، ولا أغراض نشرِها وأهدافِهم، فلا مِصداقيَّةَ ولا موثوقيَّة، «كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع».

هذه الوسائلُ والمواقعُ وسطٌ خصبٌ، وبيئةٌ للإشاعات والأخبار المُختلفة والمُختلَقَة والآراء والرُّؤَى غير المسؤولة، ناهِيكم بأنَّ كثيرًا ممن يشتغِلُ بنقلِ هذه الكلِمات والصُّور والأخبار الخطيرة هم الفارِغون البطَّالون الذين ليس لديهم ما يشغَلون به أوقاتَهم من الخير والنفع لهم ولدينهم وأمتهم وأوطانهم.
ويعلمُ المُتابِعُ العاقلُ - فضلاً عن المُتخصِّص - أنهم لا في العِير ولا في النَّفير، الواحدُ منهم مُتَّكِئٌ على أريكته، ومُلازِمٌ للوحته، وعاكِفٌ على جِهازه، يُلقِي الكلامَ على عواهِنه هنا وهناك.
كم كلمةٍ أو تغريدةٍ قالت لصاحبِها: دعني! وكم تدوينةٍ تهوي بقائلِها في نار جهنَّم أبعدَ ما بين المشرق والمغرب!
كلماتٌ تخرجُ كالسِّهام من أفواه البنادِق يقتلُ بها نفسَه، ويُهلِكُ أهلَه، ويُفسِدُ بلدَه، ويُجرِّئُ الأعداءَ، ويُمكِّنُ للخُصوم، ويبذُرُ بُذورَ الفُرقة، وينفَخُ في أبواق الفتنة. زاحمَ البَنانُ عنده اللسان ليُوغِلَ في التعقيبِ والتصنيفِ، والهدمِ والإفساد.
في كلماتٍ وصورٍ ومقاطع تستهزِئُ وتسخرُ من مُكوِّنات مُجتمعه، وكأنَّه قد تطوَّعَ يُسوِّدَ صُورتَه أمام الآخرين، ويُوثِّقَها صوتًا وصورةً، وكأنه مأجورٌ ليُدمِّرَ نفسَه، ويهدِمَ بيتَه، ويتنكَّرَ لهويَّته.
إذا سمِعَ خبرًا طارَ به كلَّ مطارٍ، ينشُرُه ويبُثُّه يُفاخِرُ بأنه حازَ السَّبْقَ في نشره، والكلمةُ تبلغُ الآفاق مُتخطِّيةً حواجِز الزمان والمكان في أجزاء من الثواني بلمسة بَنان أو غمزة أزرار. بل حقُّه أن يُحاسِبَ نفسَه قبل أن يُطلِقَ لسانَه، أو يغمِزَ بنانَه، أو يخُطَّ مقالَه، أو يُغرِّدَ تغريدتَه.
أين الحقيقة؟ وأين المصلحة؟ وأين الديانة؟ وأين الأمانة؟
يا تُرى هل هؤلاء يُسِّعون الآفاق أو يحفُرون الأنفاق؟! هل هم يَبنُون أو يهدِمون؟! هل هم يجمَعون أو يُفرِّقون؟! هل يزرَعون الأمل أو ؤيقودون لليأس؟! هل يرفعون من مقام أهلِهم وأوطانهم أو يُحقِّرون الذّوات ويسحَقون النفوسَ؟!
إنما يُفسِدُه هؤلاء المساكينُ الأغرار في لحظاتٍ قد لا يُمكنُ علاجُه في سنواتٍ، وقد يُكلِّفُ أموالاً ونفوسًا، وقد يستعصِي على العلاج. فلا حول ولا قوة إلا بالله!
معاشر المسلمين:
«كفَى بالمرء إثمًا أن يُحدِّثَ بكلِّ ما سمِع»، «ولا يزالُ الرجلُ يصدُقُ ويتحرَّى الصدقَ حتى يُكتبَ عند الله صدِّيقًا، ولا يزالُ الرجلُ يكذِبُ ويتحرَّى الكذِب حتى يُكتبَ عند الله كذَّابًا».
وقد أخبَرَنا نبيُّنا محمد - صلى الله عليه وآله وسلم - كما في الحديث الصحيح فيما رآه من أحوال الآخرة أنه: «يرَى الرجلَ يكذِبُ الكِذبَة فتبلغُ الآفاق، فيُنشرُ شِدقُه ومِنخَرُه وعينُه إلى قَفاه». فما أشدَّه من عذابٍ، وما أطولَه من زمانٍ!!
معاشِرَ الأحبَّة:
هذه قضيةٌ، وثمَّة قضيَّةٌ أخرى مُرتبطةٌ بها، وهي أكبرُ وأخطرُ؛ بل قد تكونُ أثرًا من آثارها، أو هدفًا من أهدافها، إنها: أمنُ المعلومات؛ بل الأمنُ على الدين وثوابتِه وأصُوله، والأمنُ على الأوطان ووحدتها وتماسُكها.
هذه التِّقنيَّاتُ والآلاتُ والوسائطُ والمواقعُ جعلَت المسؤوليَّةَ أعظمَ، وجعلَت مفهوم الحرية أدقَّ، فالحرُّ هو المُسيطرُ على نفسه، الضابطُ لها بضوابط العقل والدين والعلم. الحريةُ هي التخلُّص من قيود الشهوات، وسجون الرَّغَبات. الحرُّ هو المسؤولُ الذي يُفكِّرُ بانضِباطٍ لا بانفِلاتٍ.
إن هذه التِّقنيَّات فضَحَت بعضَ الذين يودُّون التفلُّتَ من عيون الرَّقيب، ناهِيكم برقيبِ الدين والضمير والأخلاق والمبادِئ.
الإيمانُ دينٌ صحيحٌ، والمُواطَنةُ عقلٌ راشِدٌ، والمسؤوليَّةُ أمانةٌ وثباتٌ وسعيٌ في المصالحِ العُليا والدُّنيا، وسيرٌ في دُروبِ الخير والرشاد، والحثّ عليها.
أيها العُقلاء:
الهدمُ سهلٌ، والانحِدارُ إلى الهاوِية لا يُكلِّفُ - عياذًا بالله -، تأمَّلُوا في بعضِ جيرانِنا الذي يُصبِحون على العبوَّات الناسِفة، ويُمسُون على قذائِف مُدمِّرة تستهدِفُ المنازِلَ والمتاجِرَ والمعابِدَ والمكاتِبَ والطوائِف.
إن المُراقِبَ لبعض القُوى الإقليمية والدولية الذين يُحاوِلون أن يُذكُوا الصراعات الطائِفيَّة القَبَلِيَّة والمذهبيَّة والمناطِقيَّة في منطقتنا يُحاوِلون أن يُذكُوا الصراع، ثم يُوظِّفُوه ليُقطِّعوا الدولَ، ويُبعثِروا الشُّعوبَ، ويُشرِّدوا الناسَ، ليتوزَّعوا الغنائِمَ، ولا يُهِمُّهم البَتَّة ولا يكترِثون لمصالح شعوب المنطقة وأهلِها أماتُوا جوعًا، أو تفرَّقُوا شِيَعًا، أو تناثَرُوا طوائِفَ، أو تقطَّعُوا أحزابًا؟
والسعيدُ الحكيمُ من وُعِظَ بغيره.
معاشر الإخوة والأحِبَّة:
نحن في هذه البلاد الطاهرة لقد تركَ لنا الآباءُ والأجدادُ وطنًا مُوحَّدًا وآمِنًا، بلدًا كريمًا عريضًا واسعًا مُترامِيَ الأطراف، عليه وُلاةُ أمرٍ جادُّون حازِمون في المُحافَظة على هذه الوحدة وعلى هذه الأمة تحت راية: (لا إله إلا الله، محمدٌ رسولُ الله) وخدمة الحرمين الشريفين ورعايتهما.
فيجبُ أتن تُقدَّر هذه النعمةُ الكُبرى، وأن يُحافَظَ عليها وتُورَّثَ للأبناء ثم الأجيال من بعدِهم - بإذن الله - لينعَموا بما ننعَمُ به من أمنٍ وإيمانٍ وخيرٍ وفضلٍ.
الحَذَرَ ثم الحَذَرَ من خُطباء الفتنةِ والتحريضِ، دُعاة تمزيق الأوطان، والعبَث بوحدتها، السُّعاة إلى تأجيج الفتنة وإثارة الفُرقة، في تُهمٍ باطلةٍ، وطعونٍ ظالمةٍ، وناصيةٍ كاذِبةٍ خاطِئةٍ، يصِفون أوطانَهم وأهلِيهم ورجالَهم بأقبَح الأوصافِ، في أسلوبٍ فجٍّ، وسوءٍ من القولِ.
يقومُ قائمٌ مأفونٌ هو الأغشُّ للأمة والأئمة، والأشدُّ على جماعة المسلمين ليهدِم الشوكة، ويُضعِف القوة، ويخدِم الأعداء، يزعُمُ أنه يُطالِبُ بحقوقٍ، ولن يكون نَيلُ الحقوق بفُحش القول، والتحريض، وامتِطاء مطيَّة العُنصريَّة والطائفيَّة، والاستِقواء بالسمَّاعين والدول الأجنبيَّة وأعداء الأمة، يُثيرُ الفتن، ويجرُّ الأغراب، ويتقوَّى بالخارجِ، وهذه خيانةٌ ظاهرةٌ، وتفريطٌ بالبلاد ومُقدَّراتها وأهلِها، ومثلُ هذا لا بُدَّ من الحَزم معه وأطرِه على الحقِّ وإلزامِه جادَّة الصواب، وحفظِ أمن البلاد والعباد، ووحدة الصفِّ والكلمة.
أيها المسلمون:
إن من مسؤولية الدولة وواجبِها أن تضرِبَ بيدٍ من حديدٍ على كل من يقتربُ من هذه الثوابِت ليهُزَّها أو ينالَ منها، إنه عبثٌ غيرُ مسؤولٍ ينالُ من الدين والوطن. الدولة مسؤولةٌ عن أمن الناس وحمايتهم وصيانة حقوقِهم ومُمتلكاتهم، وتنظيم شؤونهم في أسواقهم وبيوتهم ومرافِقهم.
الدولةُ بأجهزتها القضائيَّة والتنظيميَّة والتنفيذيَّة مسؤولةٌ عن أمن الناس واستِقرارهم، وتحقيق العيش الكريم لهم، مسؤولةٌ عن تحقيق العدل وتهيِئةٍ أسباب الحياة الطيِّبة.
وبعد، عباد الله:
فالحقوقُ مُتكافِئة، والحياةُ مُنظَّمة، والمصالِحُ مُعتبَرة، ولا يتحقَّقُ ذلك إلا في وطنٍ قويٍّ هادئٍ، مُستقرٍّ آمنٍ، تحكمُها دولةٌ قويةٌ مُهيمِنةٌ بقضائِها وأجهزتها وعدالتها.
وليحذَر المُسلمُ أن يكون مطيَّةً للإفساد وبثِّ روح الفُرقة، والخذلان لدينه، والخيانة لوطنه ولسائر أهله.
الحَذَر ثم الحَذَر أن يكون الإنسان من حيث يشعُر أو لا يشعُر وقودًا أو حطَبًا لمثلِ هذه الدعوات الفئويَّة الضيِّقة التي لا تأخُذُ حسابًا لأهلها وبلدِها وأمنِها وسلامتها، والضررُ سيلحقُ بالجميع، والنارُ ستُحرِقُ الجميع، ومن يتقاعسُ عن التصدِّي لهؤلاء الشُّذَّاذ والمُرجِفين والمُتطرِّفين، أو يُحاوِلُ إيجادَ أعذارٍ أو مُسوِّغاتٍ أو ينقُدهم بضعفٍ أو استِحياءٍ فهو شريكٌ في إضعاف الوطن وهزِّ كِيانه.
ووحدةُ الأوطان وسلامتُها والحفاظُ على دينها وأمنِها لا يجوزُ المِساسُ به أو العبَثُ به، بأي حالٍ وتحت أي مُسوِّغ.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25) وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ [الأنفال: 25، 26].
نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، وبهدي محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، وأقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنبٍ وخطيئةٍ، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.

ا
لخطبة الثانية
الحمد لله، أنارَ بالإيمان قلوبَ أهل السعادة، فأقبَلَت على طاعة ربِّها مُنقادَة، أحمدُه - سبحانه - وأشكرُه وعَدَ على الشُّكر بزيادة، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعظِم بها من شهادةٍ، وأشهد أن سيدَنا ونبيَّنا محمدًا عبدُ الله ورسولُه المخصوصُ بالاصطِفاء والاجتِباء والسيادة، صلَّى الله وسلَّم وبارَك عليه وعلى آله وأصحابه صدَقوا في الإيمان وأحسَنوا العبادة، والتابعين ومن تبِعَهم بإحسانٍ ما بقِيَت أعلامُ الدين مرفوعة وراياتُه مُشادَة، وسلَّم تسليمًا كثيرًا.


أما بعد، فيا أيها المسلمون:
المُطالبةُ بالحقوق حقٌّ، وبابُ التناصُح مشروعٌ ومُشرَعٌ، وللناس حقوقُهم ومطالِبُهم، والنقصُ يجبُ أن يُسدَّد، والمطالِبُ تُرفَعُ وتُسمَعُ، ومسالِكُ النقد والمُطالبة بالإصلاح حقوقٌ مشروعةٌ إذا سُلِك بها المسالِكُ الصحيحةُ.
حقُّ النقد والتعبي والرأي كلُّ ذلك مشروعٌ مكفولٌ، ويجبُ أن يكون مبذولاً ومُتاحًا ما دام مُلتزِمًا بالثوابت من المُحافَظة على الدين بأُصوله، والوطن بوحدته، والأمة بمُكوناتها.
من المقبول أن يقسُو الناقِدُ والمُصلِحُ بعضَ القسوة في ألفاظه وعرضِه، ولكن لا يُمكنُ أن يُقبَل الاستِقواء بالأغراب، واستِعداء الأعداء، وامتِطاء مطيَّة الكذِب والتلبيس والتدليس.
إن في أوطاننا وبُلداننا كُتَّابًا وخُطباء ونُقَّادًا يكتُبون وينتقِدون بجُرأةٍ وقوَّةٍ وعقلٍ ويُطالِبون، لكنَّهم لا يتجاوَزون ثوابِتَ دينهم ومصالشحَ بُلدانهم، ولاؤُهم لأهلهم لا يُساوِمون، ولا يُدارُون، والقُصورُ وارِدٌ، والكمالُ عزيزٌ، والاجتِهاداتُ تُخطئُ وتُصيبُ.
يجبُ أن يكون الفرقُ واضِحًا بين حرية التعبير وحرية الرأي، وبين التحريض والتحريش ودقِّ معاوِل الهَدم والتفريق. فرقٌ بين النقد البنَّاء والدعوة للإصلاح، وبين زرع بُذور الفتن الطائفيَّة والقَبَليَّة والمناطقيَّة.
أصحابُ الحقوق والمطالِب المشروعة حقٌّ أن يُسمَع لهم، وأن تُستنهَضَ كلُّ المُؤسَّسات المُتخصِّصة الرسمية وغير الرسمية ليُستمَع إليهم، ويُنظَر في مطالبِهم، فما ثبَتَ من حقٍّ فيجبُ المُسارعةُ إلى تحقيقه حسبَ إمكانات الزمانِ والمكان والقُدرات، وما كان غير ذلك فيكونُ الردُّ بالحُسنى، وتقدير حقِّ المُطالبة.
ألا فاتقوا الله - رحمكم الله -؛ فالسعيدُ من وُعِظ بغيره، والحكيمُ من نظرَ في العواقِب.
هذا؛ وصلُّوا وسلِّموا على الرحمة المُهداة، والنعمة المُسداة: نبيِّكم محمدٍ رسول الله؛ فقد أمركم بذلك ربُّكم، فقال في محكم تنزيله، وهو الصادقُ في قِيلِه: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا [الأحزاب: 56].
اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك على عبدك ورسولك نبيِّنا محمد الحبيب المُصطفى، والنبي المُجتبى، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى أزواجه أمهات المؤمنين، وارضَ اللهم عن الخلفاء الأربعة الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعليٍّ، وعن الصحابة أجمعين، ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين، وعنَّا معهم بعفوك وجُودك وإحسانك يا أكرم الأكرمين.
اللهم أعِزَّ الإسلام والمسلمين، وأذِلَّ الشرك والمشركين، واخذُل الطغاة والملاحدة وسائر أعداء الملَّة والدين.
اللهم آمِنَّا في أوطاننا، وأصلِح أئمَّتنا وولاة أمورنا، واجعل اللهم ولايتَنا فيمن خافك واتقاك، واتبع رضاك يا رب العالمين.
اللهم وفِّق إمامنا ووليَّ أمرنا بتوفيقك، وأعِزَّه بطاعتك، وأعلِ به كلمتَك، واجعله نُصرةً للإسلام والمسلمين، وألبِسه لباسَ الصحةِ والعافيةِ، وأمِدَّ في عُمره على طاعتك.
وإننا نحمدُك اللهم على ما مننتَ به عليه من الشفاء والعافية، فهو وليُّ أمرنا، وراعِي أمَّتنا، والدُنا خادمُ الحرمين الشريفين الملكُ الصالحُ، المؤمنُ بربِّه، الواثِقُ بفضلِه وبرِّه وإحسانه، فنسألُ الله أن يُتِمَّ عليه نعمةَ الصحةِ والعافيةِ، وأن يمدَّ في عُمره، ويُبارِكَ في عمله، وأن يحفظَ بلادَنا في أمنِها وإيمانها، وأن يرزُقنا الثباتَ على التقوى في ظلِّ هذه القيادة المُبارَكة.
لقد أتمَّ الله علينا نعمةَ الفرح والسرور، وبُشرى الصحة والبَهجة، فرحةٌ وبهجةٌ تغمُرُ كلَّ المُحبِّين، نابِعةً - بعد فضل الله ومنَّته - من مواقِف قائدِنا الثابتةِ الصادقةِ، وأيادِيه البيضاء، وصفاء قلبِه، وشفافية مسلكِه. ذلكم هو جسرُ العلاقة بينَه وبين أبناء شعبِه وأمَّته، فالحقائقُ والشفافيَةُ والعقلُ والاتِّزانُ هي النهجُ الذي ينتهِجُه ويُوجِّهُ إليه - حفظه الله -.
فلا عجبَ أن يتبوَّأ مكانة أكثر الشخصيات الإسلامية تأثيرًا في سنواتٍ مُتتالياتٍ.
فالحمدُ لله على فضلِه ونعمائِه، ولا عزاءَ لأسرَى الشائعات، ولا نامَت أعيُن المُتقوِّلين.
اللهم أدِم عليه نعمةَ الصحة والعافية، ووفِّقه ونائِبَه وإخوانَه وأعوانَه لما تُحبُّ وترضى، وخُذ بنواصِيهم للبرِّ والتقوى.
اللهم وفِّق ولاةَ أمور المسلمين للعمل بكتابك وبسنَّة نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، واجعلهم رحمةً لعبادك المؤمنين، واجمع كلمتَهم على الحق والهدى يا رب العالمين.
اللهم وأبرِم لأمةِ الإسلام أمرَ رُشدٍ يُعزُّ فيه أهلُ الطاعة، ويُهدَى فيه أهلُ المعصية، ويُؤمَرُ فيه بالمعروف، ويُنهَى فيه عن المنكر، إنك على كل شيءٍ قديرٌ.
اللهم احفظ إخواننا في سوريا، اللهم احفظ إخواننا في سوريا، وفي بورما، اللهم اجمع كلمتَهم، واحقِن دماءَهم، اللهم اشفِ مريضَهم، وارحم ميِّتَهم، وآوِي شريدَهم، اللهم واجمع كلمتَهم، وأصلِح أحوالَهم، واجعل لهم من كل همٍّ فرجًا، ومن كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل بلاءٍ عافيةً، اللهم انصرهم على عدوك وعدوهم.
اللهم عليك اللهم بالطغاة الظلمة في سوريا وفي بورما، اللهم إنهم قد طغَوا وبغَوا وآذَوا وأفسَدوا وأسرَفوا في الطغيان، اللهم عليك بهم فإنهم لا يُعجِزونك، الله فرِّق جمعَهم، وشتِّت شملَهم، واجعل الدائرةَ عليهم يا قوي يا عزيز.
سبحان ربك رب العِزَّة عما يصِفون، وسلامٌ على المُرسلين، والحمدُ لله رب العالمين.

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 12-15-2012, 11:00 AM   رقم المشاركة : 7

 

كيف النجاة من الواقع المُرّ؟

ألقى فضيلة الشيخ حسين بن عبد العزيز آل الشيخ - حفظه الله - خطبة الجمعة 23 lpvl 1434iJ بعنوان: "كيف النجاة من الواقع المُرّ؟"، والتي تحدَّث فيها عن واقع المُسلمين اليوم، والمُلِمَّات التي نزلَت بالمُسلمين في كثيرٍ من البُلدان، وبيَّن أنه لا خروجَ من هذه الأزماتِ الطاحِنة أو النوازِل المُدلهِمَّة إلا بالاعتِصام بالكتابِ والسنةِ، وذكرَ شيئًا من الدلائل القرآنية والأحاديث النبوية والآثار الدالَّة على ذلك.

الخطبة الأولى

الحمد لله كاشفِ الضرَّاء ورافعِ البَلوى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الآخرة والأولى، وأشهد أن سيِّدنا ونبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه أفضلُ من تضرَّع إلى ربِّه ودعا، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آله وأصحابِهِ أهلِ التقوى.
أما بعد، فيا أيها المُسلمون:
أُوصِيكم ونفسي بتقوى الله - جل وعلا -؛ فهي سبيلُ الفلاح فيا الدنيا وفي الأُخرى.
أيها المسلمون:
إن البشرَ على مُستوى مُجتمعهم وأفرادهم يمُرُّون في هذه الدنيا بأحوالٍ؛ منها حال البأساء والضرَّاء، حال المِحَن والمتاعِب والبلاء، وهكذا حالُ هذه الدنيا الفانِية الزائِلة، الدنيا التي تتنوَّعُ فيها الهُمومُ، وتتلوَّنُ فيها الغُموم.
وإن مُجتمعات المُسلمين اليوم يُعانُون من مضائِق لا نهاية لها، ويُقاسُون آلامًا لا حدَّ لها، وإلى الله المُشتكَى، وهو المُستعان، وعليه التُّكلان.
إن واقعَ المُسلمين اليوم يمُرُّ بمراحل خطِرة، وأزماتٍ مُتتابِعة؛ فكم هي المِحَن التي تقع؟! وكم هي الفتنُ التي تعصِفُ؟!
أسألُ اللهَ أن يُفرِّجَ الكربةَ ويكِشِفَ الغُمَّة، إنه هو وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
إخوة الإسلام:
إن المُتأمِّل في حال المُسلمين مع هذه الحالِ التي وصفْنا يجِدُ عجبًا من الغفلة عن المنهج القُرآنيِّ الذي رسمَه للمُسلمين، وخطَّه رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - منهجًا واضحًا عند نزول الكُرُوب والشِّداد الخُطوب. المُسلمون لا يُمكنُ بأي حالٍ أن يجتازُوا مِحنةً أو أن يسلَموا من مُصيبةٍ إلا من مُنطلَق مبادِئَ قُرآنيَّةٍ وأُصولٍ نبويَّةٍ.
المُسلِمون لا تُحلُّ قضاياهم المُتعقِّدة، ولا يتخلَّصُون من مصائبِهم المُتعدِّدة بالتعلُّق بأي قوةٍ بشريَّةٍ مهما كانت بمَنأًى عن المنهج القرآني والتوجيه النبويِّ.
المُسلِمون أصحابُ رسالةٍ وذوو عقيدةٍ متينةٍ تقوم على الإخلاص بالتعلُّق بالخالق - عز وجل -، والتقوِّي بالقادر على كل شيءٍ - تبارك وتعالى -، والتوكُّل على القاهِر فوق عبادِه - جل وعلا -.
إن الأصلَ الأصيلَ والرُّكنَ الركينَ عند وقوع الكوارِث ونزول المصائِب أن يقطعَ المُسلِمون علائِقَهم إلا بالله - جل وعلا -، إخلاصًا وصدقًا، رغبًا ورهَبًا، تضرُّعًا ودُعاءً؛ فالأمةُ حُكَّامًا ومحكومين، شعوبًا وأفرادًا لا نجاةَ لهم من ضرَّاء، ولا مخلَصَ لهم من شقاءٍ إلا حينما يتيقَّنون بأن المخلَصَ لا يُمكنُ إلا من الخالقِ - جل وعلا -، المدعُوِّ عند الشدائد، المرجُوِّ عند النوازل، قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (63) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ [الأنعام: 63، 64].
إن المسلمين لم يسترِدُّوا أرضًا مُحتلَّة، ولم يتخلَّصُوا من عدوٍّ مُتغلِّبٍ إلا حينما تستقرُّ في قلوبِهم عقيدةٌ راسِيةٌ رُسُوَّ الجِبال، هي عقيدةُ التوحيد التي جاء بها محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، التي تتضمَّنُ أن الضرَّ لا يكشِفُه سوى الخالقِ، وأن البأساء لا يدفَعُها إلا البارئُ القادِرُ، أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ [النمل: 62].
أخرج ابنُ أبي حاتم وغيرُه: أن مالك الأشجعيّ جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: أُسِرَ ابني عوفٌ، فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «أرسِل إليه بأنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يأمُرك أن تُكثِرَ من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله». فأتاه الرسولُ، فأخبرَ عوفًا بذلك، فأكبَّ عوفٌ يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
وكانوا - أي: الأعداء - قد شدُّوه بالقدِّ، فسقط القدُّ عنه فخرَج، فإذا هو بناقةٍ لهم فركِبَها فأقبَلَ، فإذا هو بسَرحِ القوم الذين كانوا شدُّوه، فصاحَ بهم، فأتبعَ آخرُها أولَها، فلم يفجِع أبوَيْه إلا وهو يُنادِي بالباب. فقال أبوه: عوفٌ وربِّ الكعبة. فقالت أمُّه: عوفٌ كئيبٌ يألَمُ لما فيه من القدِّ. فاستبقَ الأبُ والخادمُ إليه فإذا عوفٌ قد ملأَ الفِناءَ إبِلاً، فقصَّ على أبيه أمرَه وأمرَ الإبل، فأتى رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - فأخبرَه بخبر عوفٍ وخبر الإبل. فقال له رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «اصنَع بها ما أحببتَ كما كنتَ صانِعًا بإبِلك»، ثم نزل قولُه - جل وعلا -: وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3].
فيا تُرى من يقِفُ عند هذه القصة من أبناء المُسلمين عند الشدائد والكُروب؟!
يا أمة سيد الثَّقَلَيْن:
ما لكم عن طوق النجاة غافِلون؟ وعن سبيل الفرَج لاهُون؟ أنِيبُوا إلى العزيز الغالِبِ عند حدوث الحادِثات، وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ [الأنبياء: 76].
تضرَّعوا إلى المولَى - جل وعلا - عند نُزول المُلِمَّات، وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (87) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ [الأنبياء: 87، 88].
بالدعاءِ الصادق، بالتوجُّه إلى الله - جل وعلا - تحصُل السّعة بعد الضيق، والعافيةُ بعد البلاء، وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (83) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ [الأنبياء: 83، 84].
أفلا نستجيبُ إلى ربِّنا كما كان رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يفعلُ؟! ففي الحديث الصحيح: «اللهم رحمتَك أرجُو فلا تكِلني إلى نفسي طرفةَ عينٍ، وأصلِح لي شأني كلَّه، لا إله إلا أنت».
فمن أحسنَ الظنَّ بربِّه مُلتجِئًا إليه فرَّجَ عن الكُرُبات، وأزاحَ عنه المُلِمَّات، وسهَّلَ له الصعوبات. في الحديث القُدسي: «أنا عند ظنِّ عبدي بي، فليظُنَّ بي خيرًا».
وصدقَ من قال:
وإني لأرجُو اللهَ حتى كأنَّني أرَى بجميل الظنِّ ما اللهُ صانِعُ
يا أمة الإسلام:
يا من أحاطَت بها الكُرُبات من كل جانبٍ! توجَّهُوا إلى الله وحدَه، وارجُوه - جل وعلا -، تضرَّعوا إليه، اطلُبوه - عز وجل -، حقِّقُوا دُعاءَ المسألة ودُعاءَ الطلب بصدقٍ وإخلاصٍ ويقينٍ تتحقَّقُ لكم عِزَّتُكم وأمنُكم وفلاحُكم وصلاحُكم، وإلا فمن رجَا غيرَ الله خابَ، ومن لاذَ بجنابِ غيره وُكِلَ إلى سرابٍ، وواقعُ الأمة عبرَ تأريخها أكبرُ شاهدٍ. قال - صلى الله عليه وسلم -: «من تعلَّق شيئًا وُكِلَ إليه».
يقول أبو يزيدٍ البِسطاميُّ: "عِشتُ مع الناس أربعين سنةً فوجدتُّهم أمواتًا غيرَ أحياء وما يشعُرون أيَّان يُبعَثون، فكبَّرتُ عليهم أربعَ تكبيراتٍ، ونفضْتُ يدِي منهم، وجدتهم لا يقطَعون ولا يصِلون، لا يُميتون ولا يُحيُون، لا يُقرِّبون ولا يُبعِدون، لا يُعِزُّون ولا يُذِلُّون، لا ينفعون ولا يضُرُّون". ثم قال مُتمثِّلاً:
لا تسألَنَّ بُنَيَّ آدم حاجةً وسَلِ الذي أبوابُه لا تُحجَبُ
اللهُ يغضبُ إن تركتَ سُؤالَهُ وترى ابنَ آدم حين يُسألُ يغضبُ
فيا تُرى هل يكونُ واقعُ الأمة حُكَّامًا ومحكومين أن يُراجِعوا أنفُسَهم وأن يُغيِّرُوا الحالَ عن الحالِ السابقةِ من التعلُّق بغير الله - جل وعلا - يمينًا ويسارًا، شرقًا وغربًا؟!
نعم، المُسلِمون لا تنقشِعُ عنهم مُلِمَّةٌ إلا بالتضرُّع الصادقِ إلى العزيز القدير، لا تُكشَفُ عنهم غُمَّةٌ إلا إذا أطاعُوا اللهَ مُخلِصين، وانقطَعوا إلى جنابِه، فهو على كل شيءٍ قديرٌ.
جاء رجلٌ إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له: إلا ما تدعُو؟ قال: «أدعُو إلى الله وحده الذي إن مسَّك ضرٌّ فدعوتَه كشفَ عنك، والذي إن ضللتَ بأرضٍ قَفرٍ فدعوتَه ردَّ عليك، والذي إن أصابَتك سنةٌ فدعوتَه أنبتَ لك».
وصدق من قال:
وصبرًا جميلاً ما أقربَ الفرَجًا من راقبَ اللهَ ذي الأمر نجَا
من صدقَ اللهَ لم ينَلْهُ أذى ومن رجاهُ يكونُ حيثُ رجَا
أيها المسلم:
إن أصابَكَ مرضٌ فالتجِئ إلى الله الشافي الكافِي، وإن أصابَتك فاقةٌ فتوجَّه إلى الله الغنيِّ الكافِي.
عن عُبيد بن أبي صالحٍ قال: دخلَ عليَّ طاوسٌ يعُودُني، فقلتُ له: ادعُ اللهَ لي يا أبا عبد الرحمن. فقال: ادعُ لنفسِك؛ فإنه يُجيبُ المُضطرَّ إذا دعاه.
وقال وهبُ بن مُنبِّه: "قرأتُ في الكتاب الأول: أن اللهَ - جل وعلا - يقول: بعِزَّتي إنه من اعتصنمَ بي فإن كادَته السماوات بمن فيهنَّ والأرضون بمن فيهنَّ فإني أجعلُ له من بين ذلك مخرَجًا، ومن لم يعتصِم بي فإني أخسِفُ به من تحت قدمَيْه الأرض، فأجعلُه في الهواء، فأكِلُه إلى نفسه".
يا شُعوبَ المُسلمين! إنكم تُعانُون وتُعانُون، فالتجِؤوا إلى الله - جل وعلا -.
ذكرَ شيخُ الإسلام ابن تيمية أثرًا إلهيًّا: "لا تُشغِلوا أنفُسكم بسبِّ المُلوك، أطيعُوني أُعطِّفهم عليكم".
يا من يُعاني من المصائب! الجَأ إلى الله بصدقٍ وإخلاصٍ. يا من أصابَته الضرَّاءُ! ابتهِل إلى العزيز القهَّار، وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ [البقرة: 186].
ذكرَ الحافظُ ابنُ عساكرٍ عن رجلٍ قال: "كنتُ أُكارِي على بغلٍ لي من دمشق إلى بلد الزَّبَداني، فركِبَ معي ذات مرةٍ رجلٌ، فمرَرنا على بعض الطريق غير مسلُوكةٍ، فقال لي: خُذ في هذه فإنها أقرب، فقلتُ له: لا خبرةَ لي فيها، فقال: بل هي أقربُ، فسلَكناها فانتهينا إلى مكانٍ وعرٍ ووادٍ عميقةٍ وفيه قتلًى كُثُر. فقال لي: أمسِك رأسَ البغل حتى أنزِل، فنزلَ وتشمَّر وجمعَ عليه ثيابَه، وسلَّ سكينًا معه وقصدَني، ففررتُ من بين يديه، وتبِعَني فناشدتُّه اللهَ وقلتُ: خُذ البغلَ بما عليه، فقال: هو لي، إنما أُريدُ قتلَك. فخوَّفتُه اللهَ والعقوبةَ فلم يقبَل، فاستسلَمتُ بين يديه، وقلتُ: إن رأيتَ أن تترُكني حتى أُصلِّيَ ركعتين؟ فقال: عجِّل. فقمتُ أُصلِّي، فأُرتِجَ عليَّ في القراءة فلم يحضُرني منه حرفٌ واحدٌ، فبقيتُ واقِفًا مُتحيِّرًا، وهو يقول: هِيه ابرُك. فأجرى اللهُ على لساني قولَه - جل وعلا -: أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ [النمل: 62].
فإذا أنا بفارسٍ قد أقبلَ من فم الوادي وبيده حربةٌ، فرمَى بها الرَّجُلَ فما أخطأَت فؤادَه فخرَّ صريعًا، فتعلَّقتُ بالفارسِ وقلتُ: باللهِ من أنت؟ فقال: أنا رسولُ الذي يُجيبُ المُضطرَّ إذا دعاه ويكشِفُ السُّوءَ. قال: فأخذتُ البغلَ والحملَ ورجعتُ سالِمًا".
أيها المسلمون:
بالتوجُّه الصادق إلى الله - جل وعلا - يحصُل الفرَجُ بعد الشدَّة، ويحُلُّ اليُسرُ بعد العُسر، وإذا أوقدَت المكارِه، وأرسَت الخُطوب، وانقطعَت الحِيَل بالأرِيب؛ أتى اللُّطفُ من اللطيف المُستجيب.
فافرَحوا - أيها المسلمون -، وتيقَّنوا بمُناجاة الله وبدُعائه، وتحقيق التوحيد الخالص، والعمل الصالح، والنيَّة الصادقة؛ تُفلِحُ الأمة، وتقوَى شكوتُها، ويشتدُّ جانِبُها، مهما أحاطَ بها من خُطوبٍ وكُروبٍ.
وكلُّ الحادِثات وإن تناهَت فموصولٌ بها فرَجٌ قريب

ولرُبَّ نازلةٍ يضيقُ بها الفتَى ذرعًا، وعند الله فيها المخرَجُ
ضاقَت فلما استحكمَت حلقاتُها فُرِجَت وكنتُ أظنُّها لا تُفرَجُ
فيا أمة الإسلام:
يا من أصابَهم الضرَّاء والبلواء! لا تقنَطوا من رحمة الله، لا تيأسُوا من روح الله، فمهما وقع بكم فاعلَموا أن لكم ربًّا عظيمًا، وإلهًا قادِرًا، كلَّ يومٍ هو في شأنٍ، يُزيلُ الكُرُبات، ويُفرِّجُ المُلِمَّات، حتى عن المُشرِكين إذا أخلَصوا، ألم يقُل اللهُ - جل وعلا -: فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ [العنكبوت: 65].
فكيف بمن أسلمَ! فكيف بمن أُوذِيَ وهو مؤمن وتوجَّهَ إلى الله سرًّا وجهرًا، شدَّةً ورخاءً؟! فالشأنُ الأعظمُ هو الإخلاصُ، والتوجُّهُ الصادقُ إليه، يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ [يوسف: 87].
وما حصلَ من قريبٍ لكثيرٍ من المُسلمين خيرُ شاهدٍ، واللهُ - جل وعلا - هو القادر على كل شيءٍ.
يا مَن يُعاني من ظُلم الظالمين، وعُتوِّ الطغاة والجبَّارين! لا تيأسُوا من النصرِ؛ فالنصرُ عند الله للمؤمنين وعدٌ غيرُ مكذوبٍ.
ذُكِر أن عجوزًا في عهد ابنِ الفُرات اعتدَى على بُستانٍ لها وأخذَه ابنُ الفُرات، فقالت له: اتَّقِ اللهَ فالدارُ داري، والله لأدعُونَّ عليك. فقال مُستهزِئًا: انتظري الثُّلُثَ الأخيرَ. فانتظرَت الثُّلُثَ الأخيرَ وهي تدعُو، فجاء الخليفةُ وغضِبَ وأخذَ ابنَ الفُرات، وجلَدَه وقطعَ يدَه وعلَّقَها عند باب الخِلافة. ومرَّت عليه وإذا هو يُجلَدُ في الظَّهيرة، فقالت: جزاك اللهُ خيرًا على نصيحتِك بثُلُث الليل الأخير، ثم قالت:
إذا جارَ الوزيرُ وكاتِباهُ وقاضِ الأرض أجحفَ في القضاءِ
فويلٌ ثم ويلٌ ثم ويلٌ لقاضِي الأرض من قاضِي السماءِ
وصدقَ من قال:
لطائِفُ الله وإن طالَ المَدى كلَمحة الطَّرفِ إذا الطَّرْفُ بدَا
بارك الله لي ولكم فيما سمِعنا وعلِمنا، إنه على كل شيء قدير، وأستغفرُ الله لي ولكم ولسائرِ المسلمين من كل ذنبٍ، فاستغفِروه، إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية

الحمد لله وحده، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريكَ له، وأشهد أن نبيَّنا محمدًا عبدُه ورسولُه، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك عليه وعلى آلِهِ وأصحابِهِ.
أما بعد، فيا أيها المسلمون:
خُذوا من الأسباب المشروعة الحِسِّيَّة والمعنويَّة ما يُفرِّجُ الكُرَب، ويُذهِبُ الهمَّ، وينصُر على الأعداء، قال تعالى: وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ [الأنفال: 60]، وقال - صلى الله عليه وسلم -: «عبادَ الله تداوَوا، لا تتداوَوا بحرامٍ».
ولكنَّ الشأن كلّ الشأن في تحقيق التقوى والإنابةِ إلى المولَى، والتوكُّل على البارِي - جل وعلا -، والتعرُّف عليه في الشدَّة والرخاء، وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ [الطلاق: 2، 3].
فمتى قوَّت الأمةُ إيمانَها بالله - عزَّ شأنُه -، ووثَّقَت الصِّلةَ به - سبحانه - في كل شأنٍ، في جميع الأمور صغيرِها وكبيرِها، وحسُنَ ظنُّها بربِّها كشفَ عنها الضرَّاءَ، وأبدلَ شِدَّتَها رخاءً، وهمَّها فرجًا، وعُسرَها يُسرًا.
هي الأيامُ والغِيَرُ وأمرُ الله يُنتظَرُ
أتيأسُ أن ترى فرَجًا فأين اللهُ والقدرُ؟
يا أيها الأمة:
أين الله والقدَر؟ فقدرُكم أنكم مربوطون بالقُرآن، مربوطون بسُنَّة سيد ولد عدنان، فما ابتعدتُّم عنهما أصابَكم الذلُّ، وأصابَتكم الكُروبُ والخُطوبُ مهما تعلَّقتُم بأيِّ قوَّةٍ من قُوى البشر.
إن المُؤمنَ متى استبطَأَ الفرَجَ وأيِسَ منه بعد كثرة دُعائِه وتضرُّعه، ولم يظهَر عليه أثرُ الإجابة؛ فإن الواجبَ أن يرجِعَ على نفسه باللائِمة، وأن يقول لها: إنما أُوتيتُ من قِبَلِك، ولو كان فيكي خيرًا لأُجِبتِ من الله - جل وعلا -.
قال ابنُ رجب: "وهذا اللومُ حينئذٍ أحبُّ إلى الله من كثيرٍ من الطاعات؛ فإنه يُوجِبُ انكِسارَ العبد لمولاه، واعتِرافَه له بأنه أهلٌ لما نزلَ به من البلاء، وأنه ليس بأهلٍ لإجابةِ الدُّعاء، فلذلك تُسرِعُ إليه حينئذٍ إجابةُ الدعاء، وتفريجُ الكُرَب؛ فإنه تعالى عند المُنكسِرة قلوبُهم من أجلِه، مُجيبًا سميعًا".
تعذَّرَ على جيش المُسلمين حين فتح كابُل الفتحَ، فدعا قائدُ الجيش: يا حيُّ يا قيُّوم - بصوتٍ مُرتفعٍ -، فارتجَّ الجيشُ بذلك صادقًا ومُخلِصًا، داعِيًا إلى الله سرًّا وجهرًا، ففُتِحَ على المُسلمين ما أرادوا، وأصبحَت بلادًا إسلاميَّةً بحمد الله.
ثم إن الله - جل وعلا - أمَرَنا بأمرٍ عظيمٍ، ألا وهو: الصلاةُ والسلامُ على النبي الكريم، اللهم صلِّ وسلِّم وبارِك وأنعِم على سيِّدنا ونبيِّنا محمدٍ، اللهم ارضَ عن الصحابةِ أجمعين، وعن الآل ومن تبِعَهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
اللهم أصلِح أحوالَنا وأحوالَ المسلمين، اللهم فرِّج هُمومَنا وهمومَ المُسلمين، اللهم ارفَع الضرَّاءَ عن المُؤمنين، اللهم حقِّق لهم الأمنَ والرخاءَ والاستِقرارَ يا ذا الجلال والإكرام، اللهم اكشِف ما أصابَهم من غُمَّةٍ، اللهم اكشِف ما أصابَ المُسلمين من غُمَّةٍ.
اللهم اجمَع كلمةَ المُسلمين في مصر على التقوى، اللهم فرِّج عن المُسلمين في سُوريا، وفي فلسطين، وفي أفغانستان، وفي كل مكانٍ يا حي يا قيوم، اللهم هيِّئ للمُسلمين في لِيبيا أمرًا رشيدًا، اللهم احفَظ المُسلمين في اليمن، اللهم احفَظهم وأصلِح أمورَهم يا حي يا قيوم، اللهم أصلِح أمرَ كلِّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم احفَظ بلادَ المُسلمين، اللهم احفَظ بلادَ المُسلمين من مكر الأعداء، اللهم احفَظ المُسلمين من مكر الأعداء، اللهم احفَظ المُسلمين من مُخطَّطات الكفَّار والفُجَّار يا ذا الجلال والإكرام، اللهم أقِم بلادَ المُسلمين على الأمر بالمعروف والنهي عن المُنكَر، وعلى الطاعة والتقوى يا حي يا قيوم.
اللهم حبِّب إليهم التحاكُم إلى كتابك واتباع سنةِ نبيك محمدٍ - صلى الله عليه وسلم -، اللهم اجعَله عامَ رخاءٍ علينا وعلى المُسلمين.
اللهم احفَظ بلاد الحرمين، اللهم احفَظ عليها أمنَها واستِقرارَها، اللهم احفَظ عليها أمنَها واستِقرارَها، اللهم احفَظ عليها أمنَها واستِقرارَها، وسائرَ بلاد المُسلمين.
اللهم وفِّق وليَّ أمرنا لما تُحبُّ وترضَى، اللهم ألبِسه لباسَ الصحة والعافية، اللهم وفِّقه ونائِبَه لما تحبُّه وترضاه يا ذا الجلال والإكرام.
اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم ولِّ على المُسلمين خِيارَهم، اللهم لا تجعل للكفار عليهم يدًا ولا نعمة، اللهم لا تجعل للكفار على المُسلمين يدًا ولا نعمة يا حي يا قيوم، يا ذا الجلال والإكرام.
عباد الله:
اذكُروا اللهَ ذِكرًا كثيرًا، وسبِّحوه بُكرةً وأصيلاً.

 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 05:30 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2026, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir