يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ



اهداءات ساحات وادي العلي


العودة   ساحات وادي العلي > ساحة الثقافة الإسلامية > الساحة الإسلامية

إضافة رد
 
أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 11-15-2008, 06:45 PM   رقم المشاركة : 1
في صحبة الإمام أحمد


 




موضوعنا بعنوان : " في صحبة الإمام أحمد " ، وهي صحبة كريمه مع إمام جليل ؛

وغرض الصحبة أن ننظر في حاله ، وأن نستمع إلى أقواله ، وأن نقتبس من أفعاله،

غير أنا جزماً لا نزعم أنّا سنحيط بسيرته ، ولا نجمع جميع دروسه ومواقفه وعبره وأقواله !

وإن المدّعي لذلك كمن يدعي قدرته على أن يجمع ماء البحر في قارورة ،

فلو إدعى ذلك فلن يحظى الا بقدر ملء هذه القاروره من ماء البحر ..

وحسبنا أن نغترف من بحر علمه وفضله وجوده وكرمه وجميع خلاله الحميدة ؛

فإن في ذلك ما ينفع ويهدي بإذن الله عز وجل في زمن قلّ فيه الثقات ، وصعد فيه النكرات ،

واختلطت فيه الأولويات ، وقلّ من الناس من عاد يميز بين الغث والسمين ،

ومن يفقه فقه أولئك الأئمة رحمة الله عليهم ورضوان الله عنهم ، وكما قال القائل :

من أين أبدأ قولي أيها البطل = وأنت أبعد مما تطلب الجمل
كل القوافي التي استنفرتها وقفت = مبهوره وبدا في وجهها الوحل
ماذا نقول وصرح العلم سامقة = أركانه وبناء المجد مكتمل
ماذا تقول قوافي الشعر عن رجل = كل يقول له هذا هو الرجل

ولذلك حسبنا وقفات من مواقف وسير الإمام الجليل - رضوان الله عليه - وسنمضي في صحبة متنوعة،

غرضنا منها أن نرى التمايز والبون الشاسع بين ما كانوا عليه وما صرنا إليه،

علّ ذلك يقوى العزم على اقتفاء آثار السلف ،

وأن نفقه فقههم الإيماني وأن نسلك سلوكهم القرآني .

موضوع للشيخ الدكتور علي بن عمر بادحدح

نطرحه هنا على حلقات بإيجاز



تحياتي
...........

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-15-2008, 06:53 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية عبدالعزيز بن شويل
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 19
عبدالعزيز بن شويل is on a distinguished road


 



الجولة الأولى :

هذا صبيٌ يتورع

فنمضي في جولة مع الصبي الورع ،

إذ كان - رحمة الله عليه - صفحة بيضاء مشرقة

كتب الله له أن يكون على حظ وافر من النجابة والذكاء

ومن العلم والفطنة ومن الصفاء والطهارة منذ نعومة أظفاره،

فهذه الروايات في ترجمته تذكر أنه قد كان في الكتّاب كما يروي أبو عفيف أحد أقرانه

يقول : " كان معنا في الكتّاب وهو غليم نعرف ظله" .

وكانت الناس تأتيهم الكتابات والمراسلات وليسوا كلهم يعرفون الكتابة ،

فكانت النساء ربما أرسلوا الى المعلم يقولون له إبعث لنا أحمد بن حنبل حتى يكتب لنا ،

فكان يبعث لهم بأحمد بن حنبل ،

وكان يجيء اليهم مطأطىء الرأس - أي من حياءه وغض بصره مع كونه صبياً صغيراً -

فيكتب جواب كتبهم فربما أملوا عليه الشيء من المنكر فلا يكتبه لهم،

فهذا وهو صغير يأبى أن يكتب ما فيه منكر .

وكان إبراهيم بن شماس يقول :

" كنت أعرف أحمد بن حنبل وهو غلام صغير وهو يحي الليل منذ نعومة أظفاره" .


ومن القصص المؤثرة والدالة على حسن سمته ،

وعظيم رعاية الله له سبحانه وتعالى أنه كما قال داود البسطامي قال :

" أبطأت عليّ أخبار بغداد فوجهت إلى عم أبي عبد الله أحمد بن حنبل بعثت إليه فقلت :

لم تصل إلينا الأخبار اليوم ،

وكنت أريد أن أحررها وأوصلها الى الخليفة،

فقال لي : قد بعثت بها مع ابن أخي أحمد ثم بحث عن أحمد وجاء به،

وقال له : أليس قد بعثت معك الأخبار،

قال : نعم، قال : فلأي شيء لم توصلها ؟

قال : أنا كنت أرفع هذه الأخبار قد رميت بها في الماء ؛

لأنه أنكر ما فيها من الأخبار وإن فيها شيئاً من عدم الصدق أو الظلم،

فقال : هل أنا أسعى بمثل هذا المنكر وأرفع مثل تلك الأخبار ـ

ولم ينتظر مشاورة ولا مراجعة بل قذف بها في الماء ،

وهذا وهو في سن الصغر يتورع ـ

قال ابن بسطام :

" هذا غلام يتورع فكيف نحن؟ " .

فهذه تدلنا على عظيم أثر التربية في الصغر ،

مع أننا نعلم أن الإمام أحمد بن حنبل ولد في بغداد سنة 164 هـ،

ومات والده وهو صغير السن ابن ثلاث سنوات ،

لكنه تربى تربية إيمانية صبغه بهذا النهج القويم منذ صغره،

وكما ذكر أبو بكر بن الأثرم قال : أخبرني من كان يطلب الحديث مع أحمد بن حنبل قال :

ما زال أبو عبد الله بائناً من أصحابه منذ صغره وهو متميز .

وهذه الوقفة تدلنا على ما للتربية من الصغر من أثر ومن إستقرار ،

وإذا ربي الصغير على هذه المعاني الإيمانية ؛

فإنها تصبح ملكة ذاتية وطبيعية نفسية وسلوكاً دائماً لا يخشى عليه باذن الله أن يتغير لانه كما قيل :

" العلم في الصغر كالنقش على الحجر " ،

" ومن شبّ على شيء شاب عليه " .

فلذلك رضاع الصغير فيه بداية التربية لأن الإسلام جعل هذا الأمر له ومضات

حتى يبين أثر إستقرار الكلمات والأفعال والصور في ذهن الصغير وإن لم يكن عاقلاً مدركاً

فإن من السنة كما هو معلوم عندما يستهل الوليد صارخاً أن يؤذن في أذنه

وأن يقام في أذنه الأخرى حتى يكون أول ما يسمع من كلام هذه الدنيا شهادة التوحيد والدعوة للصلاة والفلاح ،

ثم يحنك ثم تكون هناك من الأمور والدلائل في التربية ما يدل على أثرها وإن لم يكن الصغير يعقل معناها،

كأن لا يكذب عليه ولو كذبة كما يقولون صغيرة أو بيضاء أو نحو ذلك .

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-15-2008, 07:10 PM   رقم المشاركة : 3

 


الجولة الثانية

طلب العلم

وقد بدأ يطلب العلم فكان له سمت فريد وصفة عجيبة في كمال التوقير لأهل العلم من مشايخه

ومن ذلك ما رواه عمرو الناقد قال :

كنا عند وكيع وجاء الإمام أحمد بن حنبل فجعل وكيع يصف من تواضعه ويثني عليه،

ويكرمه إكراماًَ عجيباً لما له من منزلة ونجابة كان يعرفها الناس فيه وهو صغير،


قال : فقلنا له يا أبا عبد الله إن الشيخ يكرمك فمالك لا تتكلم ؟!

قال :وإن كان يكرمني فينبغي أن أجلّه .

فجعل هذا الإكرام عليه من الحياء ما ألجم لسانه ؛

حتى يجل شيخه ولا يجاريه ، فيصبح مثله في المنزلة وإن كان قد أفاض في مدحه وثنائه.

وقد قال قتيبه بن سعيد وهو من شيوخه :

قدمت الى بغداد وما كانت لي من همة إلا أن أرى أحمد بن حنبل ،

فإذا هو قد جاءني مع يحيى بن معين فتذاكرنا وقام أحمد بن حنبل وجلس بين يدي،

فقلت : يا أبا عبد الله اجلس مكانك فقال : لا تشتغل بي إنما أريد أن آخذ العلم على وجهه .

بعد اللقاء والسلام جلس بين يديه جلسة الطالب مع أستاذه وكان قتيبة يجله فقال :

مكانك يا أبا عبد الله قال : لا تشتغل بي إني أريد أنأخذ العلم على وجهه ..،

وبعضنا في هذه الأزمان التي قل فيها مراعاة الأدب إذا أثنى عليه أستاذه فاعطاه كلمة رد عليه بكلمة،

فإذا وضع يده على ظهره مكرماً أو مبجلاً ربما فعل مثل فعل شيخه أو أستاذه،

مما يدل على أن قضية الأدب والتوقير ليست على الصورة المطلوبة

وهذه دروس نقتبسها من الإمام رحمة الله عليه .

وقال إسحاق الشهيد : كنت أرى يحيى القطان يصلي العصر ثم يستند الى منارة المسجد

فيقف بين يديه علي بن المديني - إمام أهل النقد والجرح والتعديل وشيخ الإمام البخاري -

فيقف بين يديه علي بن المديني والشاذكوني وعمرو بن علي وأحمد بن حنبل ويحي بن معين وغيرهم

يستمعون الحديث وهم قيام على أرجلهم حتى تحين صلاة المغرب لا يقول لأحد منهم اجلس ولا يجلسون هيبة له .

لم يذكروا الجلوس ولا يأمرهم به ولا يجلسون هيبة له ولا يطلبون منه ذلك،

قد يقول قائل : في ذلك مبالغة،

وأقول : لا يجتمع أمثال هؤلاء على مثل هذه المبالغات تنطعاً أو تكلفاً ،

ولكنها سجية التوقير غرست في نفوسهم ،

والتعظيم للعلم ولحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولذلك قال أحمد بن سعيد الرازي :

" ما رأيت أسود الرأس أحفظ لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

ولا أعلم من فقهه ومعانيه من أبي عبد الله أحمد بن حنبل
" .

وتأمل هنا قال :

ما رأيت أحفظ ولا أعلم بفقهه ومعانيه،

الخلاصة الجوهرية العلم السلوكي التربية الإيمانية قد إقتبسها الإمام أحمد مع الحفظ رحمة الله عليه .


 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-15-2008, 09:50 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية عبدالعزيز بن شويل
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 19
عبدالعزيز بن شويل is on a distinguished road


 


الجولة الثالثة

مع الصديق الودود

ثم نمضي مع الصديق الودود كيف كانت علاقته وحسن تعامله ولين جانبه مع أصدقائه ولطافته في المعاملة ؛

فإن بعض الناس يظن أن العلم والوقار يقتضي التجهم ، وعبوس الوجه ، وتقطيب الجبين أو نحو ذلك،

فلذلك يذكر أبو عبيدة القاسم بن سلام - وهو من أئمة أهل العلم والإسلام -

يقول وهذه زيارة بين عالمين جليلين ننظر كيف كان المستقبِل والمستقبَل:

" زرت أحمد بن حنبل فأجلسني في صدر داره وجلس دوني،

قال فقلت : يا أبا عبد الله أليس يقال صاحب البيت أحق بصدر بيته،

فقال ـ على البديهية مباشرة ـ :

نعم يقعد ويقعد فيه من يريد إكراماً وإجلالاً واستضافة،

يقول أبو عبيدة : فقلت في نفسي خذ إليك يا أبا عبيد هذه فائدة ـ

إذاً كان يأتي للزيارة لا لمجرد المتعة والفكاهة والكلام والمزاح

وإنما كان يأتي بغرض المذاكرة والإنتفاع فقال في نفسه خذ إليك فائدة ـ

قال ثم قلت : يا أبا عبد الله لو كنت آتيك على نحو ما تستحق لأتيتك كل يوم ـ

يقول : لو أنني أزورك على قدر مرتبتك وحقك لكان واجباً علي أن أزورك كل يوم

كأنه يعتذر من قلة زيارته على عظيم قدره ـ

فقال له أيضاً : لا تقل هذا إن لي إخواناً لا ألقاهم الا في كل سنة مرة وأنا أثق بمودتهم ممن ألقى كل يوم ـ

المهم أن تعرف صدق المحبة وصدق التعامل وحسنه وليس الفرض؟

هو كثرة الزيارة ودوامها فان ذلك ليس بالضرورة هو الدال على هذا

فيقول هناك من لا يزورني ولكني واثق بمحبتهم وصدق إخلاصهم لي لما أعرف من حاله وطبيعة معاملته ـ

فقال أبو عبيدة قلت في نفسي : خذ أخرى يا أبا عبيدة فهذه الثانية،

قال فلما أردت القيام قام معي فقلت :

لا تفعل يا أبا عبد الله ـ كما يفعل بعض الناس

الآن يأتي الإنسان يذهب يقول في أمان الله يستأذن يقول له في أمان الله كأنه يطرده من بيته،

فقال له :

من تمام زيارة الزائر أن تمشي معه الى باب الدار وتأخذ بركابه، قال قلت يا أبا عبيد هذه ثالثة " .

فاستفاد هذه الثلاث في التعامل مع الزائر والتودد للإنسان بينه وبين إخوانه

وبين من يتعاملون معه وهذه من أسباب توطيد عرى المحبة والمودة بين القلوب .

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-16-2008, 07:02 AM   رقم المشاركة : 6

 





مشرف الإسلامية

أشكر لك تواصلك الدائم

دمت بخير ومن تحب


تحياتي
...........

 

 
























التوقيع

   

رد مع اقتباس
قديم 11-16-2008, 07:06 AM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية عبدالعزيز بن شويل
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 19
عبدالعزيز بن شويل is on a distinguished road


 


الجولة الرابعة

مع الخائف الوجل

يقول عبد الله سمعت أبي يقول :

" وددت أني نجوت من هذا الأمر كفافاً لا لي ولا عليّ "

هذا الذي كان طاهر النفس ، نقي النشأة ، حافظاً لحديث رسول الله عليه الصلاة والسلام

كان يعلم ويوقن عظمة المهمة والواجب الملقى على عاتقه ،

ويعلم قصور العبد وقلة حيلته ويعلم عظمة الرب وعدم القدرة

على إيفاء حقه سبحانه وتعالى، فيقول :

" وددت لو أني نجوت كفافاً لا لي ولا علي "

وكان إذا دعا له رجل يقول :

" الأعمال بخواتيمها " .

وكثيراً ما كان يُسمع منه قول

" اللهم سلم سلم " .

لأن القلوب الخائفة الوجلة مهما عملت ؛ فإنها تبقى على وجل من عدم القبول

أو على وجل من أن تكون الأعمال دون الواجبات المطلوبة ،

ودون المنزلة المرجوة ، ولذلك كما قال الله عز وجل :

{ والذين يؤتون ما أتوا وقلوبهم وجلة أنهم الى ربهم راجعون } .

لما سألت عائشة رضي الله عنها قالت :يا رسول الله الرجل يصلي ويصوم ويتصدق

الرجل يشرب الخمر ويزني ، ثم يخاف ؟! قال :

( لا يابنة الصديق ! ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق ويخشى أن لا يقبل منه ).

إذاً هذا حال أهل الإيمان كما ذكر الحسن البصري رحمة الله عليه عندما قال :

" لـقـد لقيت أقواماً هم أخوف منكم أن لا تقبل حسناتهم من خوفكم أن تحاسبوا على سيئاتكم " .

فهم في خوف عظيم أكثر من خوفنا من سيئاتنا ،

وخوفهم أعظم ولكن ليس من السيئات ولكنه من خوف عدم قبول الحسنات،

وهذا لا يكون الا مع عظمة الإيمان وإستحضار عظمة الله - عز وجل - وفهم الحق الواجب له سبحانه وتعالى .

ولذلك لما سئل الإمام أحمد : كيف أصبحت ؟

قال مقالة عجيبة فريدة تدل على عظيم ما كان يفقه من دين الله وما يحمل من أمر الله . قال :

" كيف أصبح من ربه يطالبه بأداء الفرائض ،

ورسوله يطالبه بأداء السنة ،

والملكان يطالبانه بتصحيح العمل ، ونفسه تطالبه بهداها ،

وإبليس يطالبه بالفحشاء ،

وملك الموت يطالبه بقبض روحه ،

وعياله يطالبونه بالنفقه ؟
" .

كلها أمور يحتاج الإنسان فيها إلى مجاهدة وإستقامة

على أمر الله - عز وجل - إتباعا لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ،

تحرياً للإخلاص وصدق التوجه لله عز وجل،

براءة من شهوات النفس ومجاهدة لها ،

ومحاربة لإغواء الشيطان وتزيينه ،

وفوق ذلك كله انتظار الموت على وجل وخوف، ولذلك كان - رحمة الله عليه -

مع ما كان له من قدم سابقة في العلم والعمل كان دائماً يستحضرعظمه الله عز وجل .

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-16-2008, 08:28 PM   رقم المشاركة : 8

 


الجولة الخامسة

مع الرجل الوقور

فقد كان - رحمة الله عليه - مع خوفه لله عز وجل ،

ومع حسن تعامله مع الناس وقوراً يهابه الناس لما له من الوقار بالعلم والصلاح والتقوى لله عزو جل،

حتى إن شيوخه وأهل العلم والتقوى وأهل الإمامة في الدين كانوا يراعون الإمام أحمد ويهابونه ويوقرونه،

فهذا يزيد بن هارون - وهو من أعظم شيوخه ومن كبار أهل العلم - قال أحد تلاميذه :

كنا في مجلس يزيد بن هارون فمزح يزيد مع مستمليه الذي يمليه الحديث ،

فتنحنح أحمد بن حنبل فضرب يزيد على خده كالمتأسف ،

وقال : ألا أعلمتموني أن أحمد ها هنا حتى لا أمزح .

كان الموقف في مقام مجلس الحديث تبسّط يسير،

لكن الإمام أحمد كان أشد وأعظم توقيراً لحديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم -

وللعلم وأكثر هيبة في قلوب الناس،

حتى إن الشيخ قال :

لو أعلمتموني حتى لا أمزح بحضوره .

وعن أحمد بن شيبان قال :

" ما رأيت يزيد بن هارون لأحد أشد تعظيماً منه لأحمد بن حنبل ،

ولا رأيته لأحدٍ أشد إكراماً له إكرامه لأحمد بن حنبل
" ،

وكان يوقر الإمام أحمد ولا يمازحه أبداً .

وقال أحدهم :

" كنا عند إسماعيل بن علية فتكلم إنسان فضحك بعضنا ،

وثمّ أحمد بن حنبل - أي جالس معهم -

فأتينا إسماعيل بعد ذلك فوجدناه غضبان فقال :

أتضحكون وعندي أحمد بن حنبل !! " ،

من شدة هيبته ووقاره رحمة الله عليه .

وهناك قصة لطيفة تدل على هذا المعنى ،

وتدل على سمت الإمام - رحمة الله عليه - يقول أحمد بن منصور يقول :

صحبت الإمام أحمد ويحيى بن معين ، وكنت خادماً لهما في طلب الحديث عن عبد الرزاق ،

ولما رجعا ذهبا الى أبي نعيم ، فقال ابن معين :

نريد ان نختبر أبا نعيم وحفظه، فقال له الإمام أحمد : لا تفعل ؛

فإنه حافظ ثقة ، قال : لا بد لي من ذلك ،

فعمد إلى ثلاثين حديثاً وجعل في كل عشرة منها حديث ليس من حديث أبي نعيم ،

ثم ذهب الثلاثة إليه فخرج إليهم ، وجلس معهم على دكة طين قريباً من بيته ،

فجعل يقرأ عليه الأول أحاديثه ، فلما جاء إلى الحديث المغلوط رفسه برجله أو قال :

هذا ليس من حديثي ! ثم الثاني فلما جاء الى الحديث المغلوط قال :

ليس من حديثي ! ثم الثالث ذكر العشرة أحاديث، فقال :

هذا ليس من حديثي ! ثم التفت بعد ذلك إلى الثلاثة،

وقال موجهاً حديثه إلى الإمام أحمد :

أما هذا - أي الإمام أحمد - فأورع من أن يفعل هذا،

و أما هذا - يعني أحمد بن منصور - فأقل من أن يفعل هذا - يعني لا يعرف مثل هذه الأمور -

وما فعلها غيرك يا فاعل ، ثم رفسة حتى أسقطه من الدكة،

قال الامام أحمد لما انصرفوا : ألم أمنعك من الرجل ،

وأقل لك إنه ثبت، قال : والله لرفسته أحب الي من سفري .

وهذا من لطائف المحدثين .

عندما تحقق للإمام أحمد هذ الجوانب كلها ورع في الصبا

وأدب في العلم ووقار في الرجوله وحسن تعامل مع الأصدقاء والقرناء

صار حينئذ إماماً وقدوة فنمضي معه وهو قدوة الأئمة أو هو الإمام القمة .

 

 

   

رد مع اقتباس
قديم 11-19-2008, 10:39 PM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
عضو ذهبي
 
الصورة الرمزية عبدالعزيز بن شويل
 
إحصائية الترشيح

عدد النقاط : 19
عبدالعزيز بن شويل is on a distinguished road


 



الجولة السادسة

قدوة الأئمة إمام القمة

فنرى أن المقتدى به من الأئمة يقتدون بالإمام أحمد

وان المعظَّمين لعلمهم وفضلهم إذا هم يعظمون الإمام أحمد - رحمة الله عليه -

فهذا علي بن عبد الله بن جعفر يقول :

" أعرف أبا عبد الله منذ خمسين سنة يزداد خيراً في كل عام " .

في كل عام وهو يزداد خمسون سنة وهو في زيادة،

لو تصور الإنسان أنه خلال خمسين يوم فقط يزيد في كل يوم عمل من أعمال الخير،

لا شك أنه سيأتي بعد هذه الأيام الخمسين ويرى تحولاً كبيراً في حياته،

لو قلنا أنه كان مثلا يقرأ صفحة في اليوم من كتاب الله عز وجل فإذا بلغ الخمسين يوماً

سيكون يقرأ في اليوم خمسين صفحة،

وسيرى أنه قد بلغ مبلغاً عظيماً وهذا يزداد في كل يوم عبر خمسين سنة

خيراً مطلقاً من علم وعبادة وزهد وتقوى وورع وحفظ وجهاد ومصابرة،

فهذا لا شك أن هذا سيجعله من المقدمين بين أهل العلم والمقتدى به .

ويحيى بن معاذ يقول :

" أراد الناس أن أكون مثل أحمد بن حنبل ثم يقول لا والله لا أكون مثل أحمد أبداً " ،

لا يعني أنه لا يريد ، ولكنه يقول أنه لا يطيق ؛ لأن الإمام أحمد قد بلغ منزلة عظيمة في كل باب من أبواب الخير ،

حتى انقطعت دون الإقتداء به والإقتباس بفعله الرقاب .

وبشر بن الحارث ممن كان من قرناء الإمام أحمد ذكر عنه كثير من الأقوال

التي تبين تبجيله وتوقيره للإمام أحمد وإبراز إمامته على الأئمة،

فها هو يقول عندما ابتلي الإمام أحمد بالمحنة وثبت فيها يقول بشر :

" إن هذا الرجل قام اليوم بأمر عجز عنه الخلق

أرجو أن يكون ممن نفعه الله بالعلم
" .

وقال أيضاً :

" أحمد إمام من أئمة المسلمين " .

ثم لما جاءوا وقالوا له : أنت تقول بقول أحمد فلماذا لا تعلن قولك وتقف موقفه ؟

فقال : " أتريدون أن أقوم مقام الأنبياء ؟! إن أحمد قام مقام الأنبياء " .

ولما بلغه أن الإمام أحمد ضرب بالسياط ،

خاطب ساقه قائلاً : " ما أقبح هذا الساق ألا يكون فيها القيد ! " ،

نصرة لهذا الرجل .

وأبو زرعه جمع لنا هذا كله في كلمات وجيزه عندما قال :

" ما رأت عيني مثل الإمام أحمد " .

وكان الإمام البويتي - رحمة الله عليه - وهو من تلامذة الشافعي سجن في المحنة

كتب من سجنه وقال في كتابه :

" إن لأرجو أن يجزي الله - عز وجل - أجر كل ممتنع في هذه المسألة لسيدنا الذي ببغداد

يعني الإمام أحمد " ،

هو المقدم السيد المبجل في هذا الأمر فكل من وقف وقفه أو جزء مما فعل الإمام أحمد فانما كان يقتدى به .

ولذلك قال بشر في مفاضلة بين الإمام أحمد وسفيان أفاض فيها ثم قال:

" أحمد عندنا أمتحن في السراء والضراء ، وتداولته أربعة خلفاء بعضم بالضراء ،

وبعضهم بالسراء فكان فيها مستعصماً بالله عز وجل
" ..

تداوله المأمون والمعتصم والواثق بعضهم بالضرب والحبس ، وبعضهم بإخافة وترهيب ،

فما كان في هذه الحال إلا سليم الدين غير تارك له من أجل ضرب ولا حبس ،

ثم أمتحن أيام المتوكل بالتكريم والتعظيم فبسطت الدنيا عليه ،

فما ركن إليها ولا انتقل عن حاله الأول ، رغبة في الدنيا ولا رغبة في الذكر ،

وهذا هو الثبات العظيم الذي تميز به الإمام أحمد رحمة الله عليه .

ومن لطائف ما كان يدل على توقير وتعظيم الأئمة له أن حجاجا الشاعر وكان من المحدثين أيضاً يقول :

كنت أكون عند الإمام أحمد فانصرف في الليل أي من بيته فاذكره في الطريق فأبكي .

فهذا كلام الأئمة في إمام كأنه كان بينهم إمام الأئمة رحمة الله عليه .


 

 

   

رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
لا تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة

الانتقال السريع


الساعة الآن 11:23 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.7, Copyright ©2000 - 2018, Jelsoft Enterprises Ltd. TranZ By Almuhajir